فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 506

فبدلا من أن يوفّر المسلمون هذه الحقوق لأهلها، وأن يجنوا حاصلات هذه الأوقاف الدّارّة، ويقدموها إلى محلها، بحسب شروط واقفيها ومرصديها، لا نجدهم عنوا في شيء من الأشياء عنايتهم في محو هذه الحبوس (1) ، التي منذ ثلاثة عشر قرنا يجود بها الآباء، ويخيس بها الأبناء، إنّ شرط الواقف كنص الشارع هي جملة كادت تذهب من أذهان المسلمين قاطبة، إلا من رحم ربك.

فبعض هذه الأوقاف درست تماما بأيدي النظّار الخائنين، وبإغضاء القضاة المواطئين، على مشهد من العلماء المدلّسين، وبعضها تحوّل عن أصله، وأجري في غير مصالح الحرمين، وخولف به شرط الواقف، بدون عذر ولا مسوّغ شرعيّ، وجميع هؤلاء ساكتون، وبعضها بقي باسم الحرمين الشريفين، ولكنّه يرفع منه إلى الحرمين من الجمل أذنه ـ كما يقال.

وياليت شعري من يفعل هذا، أو من يقرّ على هذا، فلا أدري كيف يصلّي! وكيف يصوم! وكيف يحجّ! وكيف يظن أنّه قام بفرائض الإسلام؟ ولا أقول: كيف يزكّي؟ فقد قلّ اليوم من يفكّر بفرض الزكاة؟ فالزكاة وتأدية حقوق الأوقاف هما من الأمور التي كادت ألا توجد إلا في الكتب الفقهية، يتعلّمها النّاس من قبيل العلم بالشيء، لا من أجل العمل بهذا العلم.

وإذا جرى شيء من العمل بشروط الحابسين، فلا يكون إلا في نفس البلاد التي فيها الحبوس، وهذا من خوف النظّار والقضاة أن تنتقض عليهم العامة ويسقطوهم، فأما إذا أمنوا خوف ثورة العامة فالوقف إلى الدثور أسرع من الماء إلى الحدور، وعلى كلّ حال شرط الواقف كاد يفقد كلّ حرمة.

(1) [الأقاف] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت