فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 506

لا يكرهون في الدنيا شيئا كرههم للأوقاف الإسلامية، ولا يخافون في مستعمراتهم من شيء كمخافتهم منها، لأنّهم يعتقدون أنّ المسلمين إذا أحسنوا إدارتها وضبط حاصلاتها، كان لهم منها منبع إمداد عظيم في أمورهم السياسية، فلذلك تراهم يسعون بقدر طاقتهم في محو رسومها.

وأما الغرض الثاني: فهو إمداد المبشرين والرهبان، وتوطيد أقدامهم في بلاد الإسلام، ليتمكّنوا من بثّ دعايتهم بين المسلمين، مما لم يبق خافيا على أحد، ومما لم يبق أدنى سبيل للمكابرة فيه، فبدلا من أنّ هذه الحكومات المستعمرة تشتري لهؤلاء المبشرين والدعاة عقارات وأراض من مالها، تجد الأقصد والأوفق أن تصرّفهم في أوقاف المسلمين، فتكون أغنتهم من كيس غيرها، وتكون جمعت بين دفع ما تعتقده ضررا، وجرّ ما تعتقده منفعة.

والمجلّية في هذه الحلبة ـ والحق يقال ـ من بين جميع الحكومات المستعمرة هي الحكومة الإفرنسية، فلم نعهد حكومة استطابت طعم أوقاف المسلمين مثلها، ولا استحلّت طعمتها للرهبان والمبشرين بدرجة استحلالها، ولقد تمكنت منها عادة التسلّط على أوقاف المسلمين في المغرب إلى حد أنّها حاولت مثل ذلك في المشرق، فهي تأبى إلا أن تسيطر على أوقاف المسلمين في سورية، برغم أنّ النصارى واليهود فيها متصرّفون في أوقافهم بتمام حريتهم.

وقد راجعنا في هذا الأمر جمعية [عصبة] الأمم، وأوضحنا لها كيف أنّ الدولة المنتدبة في سورية تترك النصارى واليهود أحرارا في أوقافهم، وتتعرّض لأوقاف المسلمين خاصة؟ وكيف أنّها وهبت الرهبان وقفا عظيما من أوقاف المسلمين في اللاذقية وغير ذلك، ووجدنا لجنة الانتدابات الدائمة تؤيّد رأينا في هذه المسألة، وتقترح على فرنسة ترك مسلمي سورية أحرارا في أوقافهم، كما هم مسلمو فلسطين، التي هي تحت انتداب إنكلترة، ولكنّ الحكومة الإفرنسية لا تبرح تماطل وتتعلل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت