فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 506

حرارته تقابل من (40) درجة بميزان سنتيغراد إلى (50) ، وذلك لأوّل مرة في حياتي.

لا جرم أنّي لم أتحمّل هذا الفرق الشاسع، ورأيت نفسي هبطت هبطة واحدة كما يقع الزق عن الظهر لا متدرجا ولا متدحرجا.

وكان قد سبق أنّي لما مررت بمدينة السويس منتظرا باخرة البوسطة المصرية للركوب بها إلى جدة، لم يشاؤوا أن يمهلوني يومين، ريثما يأتي ميعاد سفر الباخرة، بل صدر الأمر بتسفيري على باخرة هندية سيئة الحال، مسلوبة جميع أسباب الراحة: في المنام، والغذاء، والجلوس، وكل شيء، وناهيك أنّه كان فيها نحو (1500) حاج، وأنّها كانت من البواخر الصغيرة، فبعد هذا لا ينبغي لي أن أطيل الشرح، وأن أقول: كيف مرضت؟ وإنما أقول: إني وطئت أرض جدة ملتاثا.

ثم إني لما وصلت إلى مكة، نزلت في منزل سعادة ولدنا فؤاد بك حمزة، وكيل الشؤون الخارجية، فهيأ لي سريرا على السطح، كما هي عادة أهل البلد الحرام في أيام الصيف، ولكنّ هذا السطح لم يكن مفتوحا من جوانبه الأربعة، كما هي بعض السطوح، لأنّ الباني الأصلي لذلك البيت (1) كان قد حوّطه بجدران عالية فوق قامة الإنسان غيرة على الحرم أن ينظر أحد لهن شبحا ولو من بعيد، فأصبح السطح مسدودا من كل جهاته إلا من الأعلى، فلم يكن الإنسان ينظر منه إلا القبة الزرقاء.

ومن عادة الناس أن يفتحوا في الحيطان نوافذ لأجل الهواء، أو للنظر عند اللزوم، فأما هذا السطح فلم تكن في جدرانه العالية إلا قمريتان أو ثلاث، مشبّكات بحجارة مستديرة، بينها ثقوب ضيقة،

(1) ليس هذا من عمل باني ذلك البيت وحده، بل عامة البيوت هنالك مثله، تترك فيها حجرة بغير سقف ولا نوافذ، لأجل السهر والنوم فيها، مع عدم كشف الجيران ونظرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت