فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 506

لا تكاد المسلّة تدخل في الواحد منها، فكانت في حكم كأن لم يكن من جهة نفوذ الهواء، هذا على فرض وجوده (1) .

ولما جئت لأضطجع في السرير الوثير، قيل لي: إنّه لا بدّ من الدخول تحت الكلّة بلباقة عظيمة، حتى لا يتسنّى للبعوض أن يدخل ورائي، فإنّ البعوض هناك تجب الوقاية منه، فكنت أدخل تحت الكلّة وأنا أسترق السمع، حتى إذا سمعت طنين بعوضة اجتهدت في محوها أو طردها، وكنت طول الليل كأنّي تحت الحصار، أحاذر أن تقع مني حركة يرتفع بها شيء من سجوف الكلة، فيهجم من خلال ذلك البعوض، وتسوء العاقبة. على أنّ قولي (طول الليل) صورة من صور التعبير، فإني ما قدرت ولا ليلة أن أبقى تحت ذلك الحصار أكثر من ساعة، لأنّ السرير، كان مسدودا بالسجوف السابغة، والسطح كان مسدودا بالجدران الإسكندرية العالية، فلم يبق من سطحيته إلا الاسم، والحر كان شديدا، وبالاختصار كدت أختنق، وصبرت إلى أن غرق مضيفي الشاب في لجة الكرى، ونزلت إلى سطح آخر مفتوح من كلّ الجوانب، يرقد عليه الخدم بدون أغطية، ولا سجوف مسدولة، ولا خشية بعوض، ولا اتقاء جراثيم، وقلت في نفسي: ليفعل البعوض ما شاء، فإنّي تحت تلك الكلة لا أستطيع الغمض ولا دقيقة، والنوم سلطان لا يغالب، فلا بدّ من طاعته، ورحم الله القائل:

إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا ... فما حيلة المضّطرّ إلا ركوبها

فوجدت على ذلك السطح خشبة عارية عن الفرش اضطجعت عليها، وكنت أمشي على رؤوس أصابعي حتى لا يستيقظ أحد، لا فؤاد حمزة ولا خدمه، فإنّي لا أحبّ أن أزعج أحدا، ولا أن أسلب راحة النّاس لأجل راحة نفسي، على أنّي لو أيقظتهم وأزعجتهم وسلبت

(1) كذا في الأصل المطبوع في جريدة «الشورى» وهو كما ترى، ولعلّه قد سقط منه شيء، وذهل الأمير عنه عند قراءته. [قلت: المعنى تامّ ولا سقط فيه] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت