فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 506

والتواضع ـ أشار بأن انتقل إلى محلة الشهداء بظاهر مكة، رعيا لخفة حرارتها عن حرارة مكة، فإنّ لجلالته هناك مقصفا بديعا أنيقا في وسطه صهريج ماء عظيم، وأمامه بستان حديث الغراس، فسيح الرقعة، سيكون يوما من الجنان المشهورة، فكان يدري أيّده الله أنّ بين الشهداء والبلدة فرقا كبيرا في الجو، وأنّي لو بتّ في ذلك المقصف الذي لجلالته لما كنت أحرم طيب الرّقاد، إلا أنّ مضيفي فؤاد بك لم يكن يرغب في أن أتحول إلى الشهداء، خشية أن ينقصني شيء من أسباب الراحة، التي لا يأمن على استكمالها إلا إذا كان هو قريبا مني، والحال أنّ الشهداء هي ربض من أرباض مكة، ومن هذه إليها مسافة، أنا لم أكن أريد أن آتي ما لا يروق لفؤاد بك، وكنت أقول في نفسي: هنّ ليال قلائل، أقضي مناسك الحج، ثم أصعد إلى الطائف، فعلى فرض أنّي لم أنم هذه المديدة، فلن تنفد بها قوة مقاومتي للطبيعة؛ لذلك عصيت أمر الملك في هذه، وندمت ولا ندامة العصاة الذين شاقّوه في السنة الماضية (1) .

الكلام على الزاهر

الشهداء هو المكان الذي يقال له في التواريخ: الزاهر، وهو اسم طابق مسمّاه، بسيط أفيح، تلعب فيه الرياح بدون معارض، إلا من بعض آكام على جوانبه تزيده بهجة، وأهاضيب وتلعات. إذا أقبل الربيع تكلّلت بالأزاهر، فسمي من أجلها الزاهر، وهو في إبان القيظ أخفّ حرارة من البلدة، لا سيما بعد غروب الشمس، وأنقى هواء وأنشط صقعا، وفيه مياه تجري في قني تحت الأرض من قديم الدهر، وبقايا قصور لأشراف البلد وسراته، وفيه مقاه على الطريق للسابلين، ومقاه

(1) [انظر تفصيل ذلك ص (209) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت