فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 506

فلما كانت الحرارة زائدة على الأرض، لم تحمل الأرض الحياة، لأنّ الحياة لا تتحمل الحرارة الزائدة، وعندما تنقص الحرارة نقصانا زائدا لا تحمل الأرض الحياة، لأنّ الحياة لا تتحمل البرودة الزائدة، كلّ ذلك يدلّ على ضرورة التوازن لأجل الحياة.

ولعلّ بعض القراء يشمئزون من هذه المباحث الكفرية، ويرون هذه التعليلات مما لا يأتلف مع العقيدة، وهذا خطأ محض، لأنّ هذه الأدوار التي لا تحصى إلا بالملايين والمليارات من السنين، هي أدلّ على قدرة الخّلاق الحكيم تعالى، وهي ولو طالت أضعاف ما هي [عليه] ، لما أمكن أن يعلّل لها وجود إلا بواجب الوجود.

وأما أنّ الأرض وغيرها من الأجرام الفلكية كانت كلها كتلة واحدة من البخار، ثم تفصّلت كرات شتى، وأخذت كلّ منها تتجمّد شيئا فشيئا، أو أنّ مبدأ الحياة كان في الماء، فليس إلا وفقا للوحي النازل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ) [الأنبياء: 30] .

ولكنّ قصور مفسرينا في العلوم الطبيعية وقف بهم عن فهم المراد من قوله تعالى في أكثر الآي الكريمة التي من هذا الضرب، وكانوا إذا قرأوا (يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ) [الدخان: 10] . أشكل عليهم فهم الدخان هنا، فقالوا: إنّ مراده تعالى يوم تأتي السماء بجدب أو قحط، لأنّ الجائع يرى بينه وبين السماء دخانا من شدة الجوع، أو أنّ الجوع يقال له: الدخان، لما في الأرض من اليبس في الجدب، بحيث يرتفع منها الغبار الذي هو كالدخان، وما أشبه ذلك من التفاسير، التي هي

سديميا، كما كانت قبل تكوينها (إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا(4) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (5) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا)] [الواقعة: 4/ 6] وقد فصّلنا ذلك في «المنار» و «تفسيره» مصححه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت