فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 506

وما زال النّاس مستشعرين الخشوع تلك الليلة، مواظبين على التلبية، مترقّبين طلوع الفجر، الذي يدنيهم من جدة، ميناء البيت العظيم الذي يؤمونه، إلى أن انفلق الصبح، وأخذت تبدو جبال الحجاز للعين المجردة، فارتفعت الأصوات بالتهليل والتسّبيح والتكبير، وازداد ضجيج التلبية للعليّ الكبير، وخالط الهيبة والخشوع بالقدوم على البيت الحرام الفرح والابتهاج بالوصول إلى أطهر بقعة وأقدس مرام، ولم تكن ترى إلا عيونا شاخصة، ولا تحسّ إلا قلوبا راقصة، والجميع متطلّعون إلى سواحل الحجاز، منتظرون بذاهب الصبر أن يقبلوا على جدة.

فلمّا كان ضحى اليوم الرابع من ذي الحجة دخلت الباخرة مرسى جدة، لكن بتؤدة عظيمة، لما في هذا المرسى من الجبال والصخور، التي تكاد رؤوسها تبرز من تحت لجج البحر، وإذا بخمس عشرة باخرة راسيات في ذلك الميناء على أبعاد متفاوتة من البر.

وصف جدة، وغرابة ألوان بحرها

ولقد طاب لي من ميناء جدة منظران، لا يزالان إلى الآن منقوشين في لوح خاطري:

أحدهما: رؤية هذه البواخر الواقفة في الميناء ناطقة بلسان حالها: إنّه وإن كانت هذه السواحل قفارا، لا تستحقّ أن ترفأ إليها البوارج ولا السفن، فإنّ وراءها من المعنوي أمرا عظيما، ومقصدا كريما، هذه البواخر الكثيرة ماثلة أمام جدة من أجله، ولقد قيل لي في جدة: ماذا رأيت!!؟ فمن العادة أن تجتمع في مياه جدة ثلاثون باخرة وأربعون باخرة، وقد يبلغ عدد الراسي فيها إلى خمسين باخرة، حتى يعود البحر هناك غابا أشبى (1) ، وتظن نفسك في هامبورغ أو نيويورك.

(1) [الملتف] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت