فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 506

وأما المنظر الثاني: فهو منظر مياه هذا الميناء، فلقد طفت كثيرا من البحار، وعرفت أكثر البحر المتوسط، والبحر الأسود، وبحر البلطيق وبحر المانش، والأوقيانوس الأطلانتيك (1) ، ولم يقع بصري على شئ يشبه مياه بحر جدة في البهاء واللمعان، كنت كيفما نظرت يمنة أو يسرة أشاهد خطوطا طويلة عريضة في البحر أشبه بقوس قزح في تعدّد الألوان، وتألّق الأنوار، من أحمر وأزرق وبنفسجي وعنّابي وبرتقالي وأخضر إلخ. ولا فرق بين هذه الخطوط وبين قوس قزح سوى أنّ هذه الخطوط مستقيمة، وأن قسيّ قزح مقوّسة، وأنّ هذه في السماء، وهاتيك في الماء، وقد تشبه هذه الخطوط ذيول الطواويس، لا فرق بينهما إلا في كون هذه الذيول المنسحبة على وجه البحر عظيمة جدا، تمتد مئات من الأمتار وبعرض عشرات منها، ولكن في تعدد الألوان وموازاة بعضها لبعض، وشدة تألقها الآخذ بالأبصار لا تجد بينهما بونا. فكأن في كلّ جهة من بحر جدة مسرح طواويس سابحة في اللّججّ الخضر، وظهورها إلى سطح الماء الواحد منها بقدر ألف طاووس مما نعهد.

قضيت العجب من هذا المنظر، وقلت: إنّ مثل هذا الميناء لا تملّه النواظر، ولا تشبهه المناظر، مهما كانت نواضر.

ثم سألت ربّان الباخرة ـ وهي من البواخر الهندية ربانها إنكليزي ـ عما إذا كان رأى هذا المنظر في بحر آخر، وقلت له: إنّي جلت كثيرا في الدنيا، ورأيت أبحرا وبحيرات وأنهارا لا تحصى، ولم أعهد مسرح لمحة على سطح ماء يحاكي في البهاء هذا الميناء، فما قولك أنت؟

قال لي: مهما يكن من سيرك في الأرض ومعرفتك للبحار، فلا

(1) [المحيط الأطلسي] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت