فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 506

تعرف منها جزءا مما أعرف، وأنا أقول لك: إنّي لا أعهد هذه المناظر البديعة إلا لهذا الميناء وحده.

فسألته عن السبب في تشكّل هذه الألوان.

فقال: إنّ قعر البحر هنا ليس ببعيد، وإن فيه أضلاعا مكسوّة نباتا بحريا متنوّع الألوان والأشكال، وإنّ هذه الأضلاع ناتئة قريبة من سطح الماء، فتنعكس مناظرها إلى الخارج، ويزيدها نور الشمس رونقا وإشعاعا.

وقيل لي فيما بعد: إنّ ملوحة البحر الأحمر زائدة، وإنّ هذه الملوحة هي السبب في تكوّن هذه الشعاب، التي تكثر في هذا البحر، وتجعل مسالكه خطرة، وإنّ هذه الشعاب تنمو وتعلو حتى تقارب سطح الماء، ومنها ما يبرز عن سطح الماء، فيكوّن جزيرة.

وإنّ هذه الشعاب متكونة من أعشاب وحيوانات بحرية من طبقة الإسفنج، وهي ذوات ألوان شتّى، كلّها ناصع، ومنها ما هو أحمر ساطع، ومنها ما هو أخضر ناضر، ومنها ما هو أصفر فاقع، ومنها ما هو دون ذلك.

وقد يقتلع الملّاحة والغواصة منها أشجارا تسمى بشجر المرجان، وهي في غاية الجمال، ومن أبهى ما يوضع في أبهاء القصور للزينة.

فهذه الشعاب هي التي تنعكس ألوانها على سطح الماء، فتكون أشبه بذيول الطواويس، أو بقسيّ السّحاب، وهي في الوقت نفسه الأخطار الدائمة على السفن، والغيلان المتحفّزة لابتلاعها، فسبحان الذي أودع فيها الحسن، ولكنّه أنزل فيها البأس، وجعلها غائلة للمراكب. ولقد صدق المثل: «إنّ من الحسن لشقوة» .

قالوا: وإنّ آمن مرسى في الحجاز مرسى رابغ، ذلك لعمق غوره، وقلّة شعابه، وعللوا ندور الشعاب فيه بكون ملوحة بحر رابغ أقل من ملوحة سائر المراسي، وهذا من كثرة السيول المنصبّة على رابغ، فالماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت