فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 506

الكلام على مكة المكرمة

صفتها الحسية ـ ومكانتها المعنوية ـ وكعبتها البهية ـ

وهويّ القلوب إليها من جميع البرية

ورزقها من جميع الأغذية والثمرات استجابة لدعاء إبراهيم صلى الله عليه وسلم.

جعل الله مكة مكانا لعبادتة تعالى لا غير، وكأنّه سبحانه وتعالى لما قضى بأن تكون محلا للعبادة ومثابة للناس وأمنا قضى أيضا بتجريدها من كلّ زخارف الطبيعة، ولم يشأ أن يطرّزها بشيء من وشي النبات، ولا أن يخصّها بشيء من مسارح النظر المونقة، حتى لا يلهو فيها العابد عن ذكر الله بخضرة ولا غدير، ولا بنضرة ولا نمير، ولا بهديل على الأغصان ولا هدير، وحتى يكون قصده إلى مكة خالصا لوجه ربّه الكريم، لا يشوبه تطلّع إلى جنان أو رياض، ولا حنين إلى حياض أو غياض. وحتى يبتلي الله عباده المخلصين، الذين لا وجهة لهم سوى التسبيح له، والتأمل في عظمته تعالى، فكانت مكة أجرد بلدة عرفها الإنسان، وأقحل بقعة وقعت عليها العينان.

مكة هذه البلدة المقدسة، التي هي فردوس العبادة في الأرض، وجنة الدنيا المعنوية عبارة عن واد ضيّق ذي شعاب متعرّجة، تحيط بذلك الوادي جبال جرداء، صخرية صماء، لا عشب [فيها] ولا ماء، قاتمة اللون، كأنّها بقايا البراكين، إذا مرّ عليها الإنسان يوما من أيام الصيف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت