فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 506

في هاجرة ظنّ نفسه يدوس بلاط فرن، أو يضطجع في حمّام، وإن ترك على تلك الصخور لحما كاد يشتوي بلا نار، أو ماء كاد يغلي بلا وقود، وليس في تلك الشعاب أشجار ولا أنهار، ولا مروج ولا عيون تلطّف من حرارة تلك الحجارة السود في حمّارة القيظ، وكأنّ القاصد إلى هذا الوادي إنما يزداد بهذه القسوة الجغرافية أجرا وثوابا وارتفاع درجات، فبقدر ما أفاض الله على هذا المكان من الشعاع المعنوي قضى بحرمانه من الحلية الماديّة.

وقد وصف الله تعالى هذه الحالة فقال عن لسان إبراهيم صلى الله عليه وسلم: (رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) [إبراهيم: 37] وظاهر من هذا أنّه واد مجّرد للعبادة دون غيرها، وأنّه غير ذي زرع ولا ضرع، ليزداد أجر النّاس بالقصد إليه، والعكوف فيه.

ولما كان شدّ الرحال إلى واد كهذا خال من جميع أسباب الحياة تقريبا ليس مما يرغب فيه النّاس، الذين من عادتهم أن يقصدوا الأماكن الرغيدة والمتنزهات، وأن يعوّلوا على البقاع المريعة التي يأتيها رزقها رخاء ورغدا، دعا إبراهيم ربّه فقال: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) [إبراهيم: 37] .

فبدعوة إبراهيم هذه هوت إلى هذا المكان وإلى المتمكنين فيه أفئدة، ورفرفت عليهم جوانح من جميع فجاج الأرض، ترى النّاس منذ ألوف من السنين يحجّون هذا البيت المحّرم، ويحرمون قبل الوصول إليه بمراحل، ويوفضون إليه كأنما يوفضون إلى أنزه بقاع البسيطة، وأطيبها نجعة، وأكثرها خيرا وميرا، وتجد قلوبهم في الرحلة إليه ملأى بالفرح، لا يكادون يصدّقون أنّهم مشاهدوه من شدّة الوجد، وغلبة الهيام، حتى إذا شاهدوه، فاضت العبرات، وخفقت الجوانح،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت