فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 506

وتمايلت الأعطاف، وانتقل النّاس إلى عالم تكاد تقول: إنّه غير هذا العالم، قال ابن دريد (1) :

يحملن كلّ شاحب محقوقف ... من طول تدآب الغدوّ والسّرى ...

ينوي الّتي فضّلها ربّ السما ... لما دحا تربتها على البنى ...

حتّى إذا قابلها استعبر لا ... يملك دمع العين من حيث جرى

وهم إذا وصلوا إلى مكة وجدوا عندها من الثمرات والخيرات ما لا يجدونه في البقاع التي تشقّها الأنهار، وتظلّها الأشجار، وذلك أنّ المجلوب إلى مكة من أصناف الحبوب، والخضراوات، والفواكه، والمحمول إليها من البضائع، والمتاجر، واللباس، والفراش، والرياش، والطيب، وغير ذلك ـ يفوق ما يجلب إلى عشر مدن من أمثالها في عدد السكان، وربما أكثر.

لا يكاد الحاج يشتهي شيئا إلا ويجده في هذه البلدة القاحلة، فحول مكة من المزارع، والمباقل، والمباطخ، والمقاثي، وفي جبال الطائف من الجنان والبساتين والكروم ما لا يأخذه العدّ، ولا يدرك منه شيء في فصل من الفصول إلا انحدر به أهله إلى مكّة، فالثمرات التي دعا إبراهيم ربّه من أجلها، تفيض على البلد الأمين كالسيل المتدفّق، أو العارض المغدق.

مياه مكة في الجاهلية والإسلام

وأمّا الماء، فقد كان في أم القرى من أيام الجاهلية آبار نبع ومصانع، مما يجتمع من مياه المطر، ومن هذه الآبار اليسيرة، التي حفرها لؤي بن غالب، والروي، التي حفرها مرة بن كعب، وخمّ ورمّ، هما من حفر كلاب بن مرة، والجفر والعجول وبذر، التي حفرها

(1) [ «المقصورة» : 49 و 50] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت