فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 506

أهمية المياه في الحجاز

أعود إلى ذكر المياه والعيون بمكة، وقد يقال لي: لماذا هذا الإسهاب كلّه في قضية الحياض والقنيّ والمواجل والبازانات، وفيما عملته زبيدة، وفيما عمله عبد الله بن عامر بن كريز وغيرهما من المعمرين والمنظمين الخ؟

والجواب: من لم يعرف الحجاز لم يعرف قيمة المياه في الأرض، وإذا كانت آية (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ) [الأنبياء: 30] صحيحة. في أسوج ونروج، لا بل في القطب الشمالي، حيث الثلوج عامة للأقطار، طامّة للأنظار، فكم تكون هذه الآية الكريمة صحيحة في قطر مثل الحجاز، تصعد درجة الحرارة فيه بالصيف إلى (47) و (48) بميزان سنتيغراد، وكثيرا ما يعزّ فيه المطر، فتنضب من ذلك عيون كانت جارية، وآبار كانت دافقة، وتتوقف سوان كانت دائرة، وتصوّح جنان كانت بهجة للناظرين، وتموت أشجار كانت آية للسائلين، وتصبح الرّياض التي كانت أشبه بالزمرّد قاحلة غبراء مربدّة، كأنّها فيافي بني أسد.

إنّ شأن الحجاز في هذا المعنى هو غير شؤون سائر البلاد، فالماء فيه يجوز أن يوزن بالمثقال، والماء فيه هو الذهب، والماء فيه هو الماس، ونقط الغيث فيه هي اللآلئ.

وبالجملة فالماء فيه هو الحياة نفسها، وهي أغلى من كل هذه، ولو ألّف حجازيّ قاموس لغة، وعند تعريف الحياة قال: إنها الماء، أو عند

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت