فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 506

وصادف أنّه لما كنّا بعرفة جاءنا عارض (1) صحبته رواعد (2) بينما نحن مفيضون من عرفات إلى المشعر الحرام، وكان المطر على الجبال أشدّ منه على الأماكن التي كنّا فيها. وبعد ذلك بثلاثة أشهر، كنا نتنزّه في جبال الطائف، فقصدنا قرية الهدا الموصوفة، التي يفضّلها كثيرون على الطائف، بحجة أنّها أعلى مكانا، وأفسح منظرا، وهي أعلى من الطائف بنحو مئتي متر، تعلو الهدا عن سطح البحر نحوا من (1800) متر، فلما دخلنا القرية، لم يبق إلا قليل حتى نقول: إنها خاوية على عروشها، وجدنا بعض أهلها نازحين إلى حيث يقدرون أن يشربوا، والبعض الآخر يردون المناهل البعيدة، ووجدنا تلك البساتين قد علتها غبرة الموت، فمنها ما صوّح شجره، ومنها ما مات موتا لا حياة بعده.

وقصدنا إلى ساقية كانت مشهورة بغزارة المياه، فنظرنا إلى قعرها، فوجدنا الذي فيها قد يكفي لشربنا، فجلسنا نقيل تحت شجرات هناك، ونزعنا بالدلو، حتى سقينا نحن وربعنا، ولكنّ الأنفس أرمضها منظر الأشجار المحزن، فلم نمكث إلا ساعتين، حتى فارقنا الهدا مهرولين إلى واد قريب منها يقال له: وادي الكمّل (بضم ففتح مع التشديد) وقد علمنا من أهل الهدا أنّ العارض الذي جاء الحاج يوم عرفة لم يكن ممطرهم، ولقد أمطر جيرانهم على درجات متفاوتة، فمنهم من رزقوا ثمرات وغلّات وافرة، ومنهم من أتتهم غلة متوسطة، ولكن الهدا كانت محرومة مغمورة تماما هذا الصيف كلّه، وبقيت في هذه اللأواء ليس فيها نبت أخضر إلا الصبير، حتى دخل فصل الخريف (وفي الحجاز يقولون له الشتاء، ويقولون للشتاء الذي عندنا الربيع) فجاءنا الخبر

(1) العارض: السحاب الذي يعرض في الأفق قبل أن يطبق السماء، وحدّه بعضهم بما يعرض في قطر من أقطار السماء من العشي، ثم يصبح وقد حبا واستوى.

(2) والرواعد السحاب التي فيها رعد، قال في «الأساس» : سحابة راعدة، وسحاب رواعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت