فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 506

الأقطار، وكان ألذّ وأبهج، وأعلق بالقلب، وأشرح للصدر، وكأنّ الماء في الحجاز يساوي خمسين مرة الماء في الشام، ومئة مرة في سويسرة مثلا، وكأنّ الغصن الأخضر في الحجاز أحلى منه مئة مرة في أوربة، وكم من عين لو كنت في سورية ومررت على مثلها لم أقف دقيقة، ولا نظرت إليها إلا كما أنظر إلى التراب، فأما في الحجاز فقد كنت أقيل إلى جانبها، وأحدّق في قطرات مائها، ولا أبرح أتحدّث إلى الإخوان عن قسطلة جريها، وصفاء لونها، وكم من مرّة جلسنا في الحجاز إلى ثمال (1) وأوشال (2) ، لا تمرّ في غير الحجاز على بال، فكنّا نستعذبها، ونتلذّذ بالمقيل عندها، كما لو كنّا على نبع الباروك، أو نبع الصفا في جبل لبنان.

لا جرم أنّ الأمور في الغالب نسبية، تغلو وترخص، وتحسن وتسمج، بحسب الزمان والمكان، وقد يلذّ لك في الصيف ما تجده ثقيلا في الشتاء، وترتاح في الأقاليم الحارة إلى ما تفرّ منه في الأقاليم الباردة، والثلج فاكهة الجروم (3) ، على حين أنّ النار فاكهة الصرود (4) ، وهلم جرا. ولذلك أراني أتلذّذ بالماء والظل والخضرة في الحجاز وفي الشرق كلّه أكثر مما أتلّذذ بها في أوربة، لا سيّما في القسم الشماليّ منها.

ففي أوربة مياه تتدفّق، وأنهار تهدر، وشلّالات تتحدّر، ولكن كلّ ذلك في جوّ لا ترتفع حرارته عن (15) أو (20) بميزان سنتيغراد إلا أياما قلائل من السنة، وكلّ ذلك في جو مطير متلبّد بالسحب أكثر السنة، فأيّ لذة لماء الجداول والأنهار الجارية على الأرض، حينما تكون المياه نازلة من السماء؟ وأية لذة يجدها الإنسان في الظّلّ الظّليل

(1) [جمع الثمالة: وهي البقية في أسفل الإناء من شراب ونحوه] .

(2) [جمع وشل: وهو الماء القليل تحلّب من جبل أو صخرة ولا يتصل قطره] .

(3) [جمع جرم، والجرم الحارّ، معرّب] .

(4) [البرد] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت