فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 506

والشكر مجددة، لما جئنا نحن بعد سبعمئة وثمان وثمانين سنة نجدّدها وننوّه بها، ونجعلها منارا للمهتدين، وقدوة للمقتدين، ولا شكّ أنّ التاريخ إنما يشرف ويكرم بتراجم رجال كهؤلاء، جعلوا أنفسهم مصداق الحديث الشريف «الخلق كلّهم عيال الله فأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله» (1) .

فتأمّل في هذا الرجل، وما أجراه من الخيرات العامة، وما برّد من حّر، وما أغنى من فقر، وما آوى من قفر، وما آمن من خوف، وما قوّى من ضعف.

وتبصّر فيما شاده من الفنادق في الطرقات، وما بناه من المنازل في الفلوات، وما حبس على هذه المؤسسات الخيرية من الأوقاف الدارّة، إلى غير ذلك من المآثر التي يتحلّى بها تاريخ الإسلام، وتطيب بقراءتها الأنفس، وترتفع الأرؤس.

وقابل هذا الصبر على الخير، وهذا الجلد في الإنسانية، وهذا الثبات في الفعل الجميل بما تعرفه من غيره، ممن هم ـ ويا للأسف ـ أكثر عددا في ولاة الأمور وأعزّ نفرا، وذلك في صرفهم أموال المسلمين إلى جيوبهم، وإنفاقهم ريع أوقافهم وغلة رباعهم على شهوات أنفسهم، وفي إعراضهم عن المصالح العامة إلى المنافع الخاصة، بل المنافع الخاصة الخسيسة، والمطامع الشخصية الدنيئة، ولهوهم بسفساف الأمور عن معاليها، وخيانتهم الأمة في أماناتها التي حملوها بالأجرة، وتراهم لا تهتزّ لهم أريحية إلى ميرة، ولا تسمو لهم همّة إلى عمل شريف، ولا إذا تداعى جدار جدّدوا بناءه، ولا إذا توعّرت طريق أزالوا حرشتها (2) ، ولا إذا جفّت عين أسالوا غيرها، ولا إذا تشعّثت قناة بادروا

(1) رواه أبو يعلى والبزّار من حديث أنس، والطبراني من حديث ابن مسعود.

[وهو حديث ضعيف جدا كما قال في «ضعيف الجامع» رقم (2945) ] .

(2) [الحرشة: الوعورة] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت