فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 506

إلى رمّها. لا يهمهم حفظ الماضي على حاله، فضلا عن أن يبدأوا مآثر، ويفترعوا مفاخر، بل دأبهم في ولاية أمور المسلمين كما جاء في المثل العامي «يأكلون الخضراء، ويقطعون اليابسة» ، وكأنما أورثهم الله خراج المسلمين لينفقوه في السّرف والسّفه، ولذات الكروش والفروج، كأنما هو تراث آبائهم وأجدادهم، بل لو كان تراث آبائهم وأجدادهم ما ساغ لهم ذلك فيه، ولمنعهم القضاة العادلون عن هذا السّفه، ولكن أين القضاة العادلون وأين العلماء العاملون، الذين يقولون الحق في وجه الملوك، ويخاطرون بأنفسهم ومصالحهم لأجل نصح الأمة!؟

فو الله ما أفسد أمر الإسلام إلا أمراؤه ـ إلا من رحم ربك ـ وما أفسد هؤلاء الأمراء إلا العلماء الذين أخذت عليهم المواثيق بأن لا يقارّوا على معصية، ولا يواطئوا على معرّة (1) ، فكانوا يقارّون على المعاصي، ويتزلّفون إلى الأمراء بالأباطيل، ويفتون لهم بتأويل النصوص الشرعية بغير معناها الحقيقي، ويسهّلون لهم الموبقات بأجمعها، والمرديات بحذافيرها، طمعا في الدنيا الفانية، والمطاعم الوبيئة الذاهبة.

وهكذا تحوّل أمر هذه الأمة من العظمة إلى الصغار، ومن التمكن في الأرض إلى البوار، ومن المآثر والمباني إلى الدمار، ومن أحاديث المعالي إلى أقاصيص العار والشنار (2) .

(1) [الأذى والسماءة والمكروه] .

(2) [الأمر المشهور بالشّنعة والقبح] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت