فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 506

وصدّق هذه الأقاويل كثير من المسلمين أنفسهم، واتخذوا تلك السفسطة قضية مسلّمة، ونبذوا الإسلام بتاتا، وأوشك آخرون أن ينبذوه بحجة أنّه مصدر الانحطاط.

ونسوا أنّه ما من أمة على وجه الأرض إلا وقد سعدت وشقيت، وعلت ونزلت، وتداولتها أدوار مختلفة، وكانت ديانتها واحدة في دوري علوها وهبوطها، وأنّ الإسلام لهو أجدر من غيره بأن لا يكون مسؤولا عن انحطاط أحد، وأنّه طالما نهض بأهله إلى الدرجات العلى، عند ما كانوا يعملون بمقتضاه حقّ العمل، وإنما كان المسؤول عن هذا الانحطاط، المسلمون لا الإسلام، والقّراء لا الكتاب، والحملة لا المحمول، والخزنة لا المخزون، وهؤلاء هم الذين فقدوا الممالك، وخسروا المجد القديم، وجنوا هذه الجناية على الشريعة الإسلامية، والمبادئ القرآنية، والآداب العربية، والثقافة الشرقية، وجعلوا كلّ أولئك مسؤولا عن أمور لا مسؤول فيها غير الأشخاص في الحقيقة، ولا مجرم غير الخلف الفاسد، الذي أضاع الصلاة، واتبع الشهوات، ولقي الغيّ.

وإنك لتجد كلّ كلمة من القرآن شاهدة عليهم، وكلّ نصّ من الشرع حاكما بسوء سيرتهم، ولو أنفقت ما في الأرض جميعا لم تقدر أن تطبق أعمال هؤلاء الملوك والخلفاء والوزراء، والقضاة والعلماء من المسلمين ـ الذين وصلوا بالأمة إلى ما وصلت إليه ـ على آية واحدة من القرآن الكريم مفهومة حقّ الفهم، أو حديث مشهور، لا يتطرّق إلى إسناده الشك، بل خالفوا قواعد الإسلام من أولها إلى آخرها، واتخذوا كتاب الله لمجّرد الترتيل والتجويد، ولم يعملوا بعشر معشار ما فيه من الأوامر والنواهي، ورجعوا يعاتبون الله على الخذلان الذي هم فيه، والله قد أجابهم من قبل على اعتراضهم، وقال لمثلهم: (إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ) [محمد: 7] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت