فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 506

مثل هذه الأحوال من رجال الإسلام الموكول إليهم أمر الأمة قد أوسع للطعن أشداقا، وللنظر بالازدراء أحداقا، وصار الأوربيون يقولون لنا: أنتم لا تعرفون إلا التخريب، وليس لكم حظّ من العمران، ولا من سداد الإدارة، وما الإدارة عندكم إلا فوضى، وبينكم وبين النظام ما بين المشرق والمغرب، إلى غير هذا من المثالب.

وكذلك انهال أكثرهم بالطعن على الإسلام نفسه، يقولون فيه: لو كان خيرا لكان أهله قد أثّلوا مدنية، ووفّقوا إلى حضارة حقيقية، والشجرة إنما تعرف من ثمارها.

ولم ينفرد بهذا القول الضابط الإفرنسي سيكار، ولا اليسوعي لامنس، ممن نشرنا كلامهم في «مجلة المنار» مردودا عليه بالبراهين الساطعة، والحجج الدامغة، التي أجبرت سيكار نفسه أن يعترف بأهميتها، ولكن تشدّق بهذا الكلام كثيرون من علماء الإفرنج ومؤلفيهم، وزعموا أنّ الإسلام والمدنية هما على طرفي نقيض، حتى قالوا: إنّ المدنية التي يقال لها في التاريخ: المدنية الإسلامية، لم يكن منها شيء من علم المسلمين، وكابروا في هذه القضية المحسوس، وأنكروا بدائه الأمور، وكلّ هذا من أجل أنّهم أدركوا أعمال هؤلاء الظلمة الخاسرين من أولياء أمور الإسلام، وساحوا في بلاد المسلمين، فوجدوا الغربان تنعق في الأماكن التي كانت معمورة في القديم بملايين البشر، ووجدوا الآثار الجميلة الباقية من الماضي أشبه بواحات في وسط صحارى من القذارة والشناعة والغبرة، ووجدوا الطرقات لا يكاد السالك يسلكها من الدعارة (1) وفقد الأمنة، ووجدوا شوارع المدن لا يقدر السائر فيها أن يسير إلا محوّلا نظره، سادا أنفه من كثرة ما فيها من الأوضار

(1) [الفساد] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت