فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 435

ولأجل تعذّر الإدغام شذّ بعضهم، فحذف التاء من «يستطيع» لمّا استثقل اجتماع المتقاربين، فقال: «يسطيع» .

وكذلك أيضا يجوز الإدغام في المتقاربين، وإن كانا في كلمة واحدة، إذا كان بناء الكلمة مبيّنا أنّ الإدغام لا يمكن أن يكون من قبيل إدغام المثلين. وذلك نحو: «انفعل» من «المحو» فإنّك تقول فيه: «امّحى» لأنه لا يمكن أن يكون من قبيل إدغام المثلين، لأنه ليس في الكلام «افّعل» فعلم أنه «انمحى» في الأصل.

فهذا جميع ما يجوز فيه إدغام المتقاربين، مما هو في كلمة واحدة، إلّا ما شذّ من خلاف ذلك، فيحفظ ولا يقاس عليه. فمن ذلك «ستّ» ، و «ودّ» ، و «عدّان» .

أما «ستّ» ، فأصلها «سدس» بدليل قولهم في الجمع: «أسداس» . فأبدلوا من السين تاء، لأنّ السين مضعّفة وليس بينهما حاجز إلّا الدال، وهي ليست بحاجز قويّ لسكونها. وأيضا فإنّ مخرجها من أقرب المخارج إلى مخرج السين، فكأنه قد اجتمع فيه ثلاث سينات. وكرهوا إدغام الدال في السين، لأنهم لو فعلوا ذلك لقالوا: «سسّ» فيزداد اللفظ سينا. فأبدلوا من السين حرفا يقرب منها ومن الدال، وهو التاء، لأنّ التاء تقارب الدال في المخرج والسين في الهمس، فقالوا: «سدت» فكرهوا أيضا اجتماع الدال ساكنة مع التاء، لما بينهما من التقارب حتى كأنهما مثلان، مع أنّ الكلمة قد كثر استعمالها، فهي مستدعية للتخفيف من أجل ذلك. فأدغموا الدال في التاء، ليخفّ اللفظ، فقالوا: «ستّ» .

وأما «ودّ» و «عدّان» فأصلهما: «وتد» و «عتدان» جمع «عتود» . فاستثقلوا في «عتدان» اجتماع التاء الساكنة مع الدال، للتقارب الذي بينهما حتى كأنهما مثلان، وليس بينهما حاجز كما تقدّم. وكذلك أيضا «وتد» لمّا سكنت التاء في لغة بني تميم ـ كما يقولون في «فخذ» : فخذ ـ اجتمعت التاء ساكنة مع الدال، فاستثقلوا ذلك كما استثقلوا في «عتدان» البيان حين أدغموا فقالوا «عدّان» والبيان فيه جائز. ولو كانت التاء متحرّكة لم تدغم، لأن الحركة في النيّة بعد الحرف، فتجيء بينهما.

ومما يبيّن استثقالهم التاء ساكنة قبل الدال اجتنابهم «وتدا» و «وطدا» في مصدر «وتد» و «وطد» وعدولهم عن ذلك إلى «تدة» ، و «طدة» ، كـ «عدة» .

فإن كان الثاني من المتقاربين ساكنا بيّنا ولم يجز الإدغام. وقد شذّت العرب في شيء من ذلك فحذفوا أحد المتقاربين، لمّا تعذّر التخفيف بالإدغام لأنه يؤدّي إلى اجتماع ساكنين، لأنه لا يدغم الأول في الثاني حتى يسكن كما تقدّم، فقالوا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت