فهرس الكتاب
ولمّا خفي هذا الوجه، من الاشتقاق، على بعضهم ردّ قول من زعم أنّ اسم «الله» تعالى مشتقّ من «الوله» أو من غير ذلك؛ لأنّ «الله» هذا اللفظ قديم ـ لأنّ أسماء الله تعالى قديمة ـ و «الوله» لفظ محدث، والمشتقّ منه قبل المشتقّ، فيلزم على هذا أن يكون المحدث قبل القديم، وذلك خلف (1) ، ولو علم أنه قد يقال «هذا اللفظ مشتقّ من هذا» وإن لم يكن مأخوذا منه ـ كما قدّمنا ـ لم ينكر ذلك.
والحدّ الجامع لهذا الضّرب، من الاشتقاق ـ أعني الأصغر ـ هو «عقد تصاريف تركيب، من تراكيب الكلمة، على معنى واحد، أو معنيين متقاربين» . وذلك نحو ردّك «ضاربا» و «ضرّابا» و «ضروبا» و «مضرابا» وأمثال ذلك إلى معنى واحد، وهو: الضّرب، إلّا أنّ أكثر الاشتقاق، ومعظمه، داخل تحت ما حدّه النحويّون به، من أنه «إنشاء فرع من أصل يدلّ عليه» .
وأمّا «المشتقّ» فيقال للفرع، الذي صيغ من الأصل؛ لأنك تطلب معنى الأصل، في الفرع، فكأنّك تشتقّ الفرع، لتخرج منه الأصل، وكأنّ الأصل مدفون فيه، و «المشتقّ منه» هو الأصل.
فإن قيل: فكيف يصحّ أن يقال في الفرع إنه مشتقّ من الأصل ـ أي مأخوذ منه ـ والأصل لا ينفصل منه الفرع؟
فالجواب: أنّ ذاك يصحّ، على جهة الاستعارة والمجاز، وذلك أنه لمّا كان لفظ الفرع مبنيّا من حروف الأصل، وكان معنى الأصل موجودا فيه، صار لذلك كأنه جزء من الأصل، وإن كان الأصل لم ينقص منه شيء.
فإن قيل: إذا كانت البنيتان متّحدّتين في الأصول والمعنى، فبأيّ شيء يعلم الأصل من الفرع؟
فالجواب: أنّ الأصل يستخرج بشيئين: باعتبار دوره في اللفظ والمعنى، وبأنه ليس هنالك ما هو به أولى، والوجوه التي يكون بسببها أولى تسعة:
أوّلها: أن يطرّد معنيان، أحدهما أمكن من الآخر، لكثرة ما يشتقّ منه، كالمصدر، وذلك كالسّفاء، فإنه مأخوذ من السّفى.
(1) الخلف: الرديء الفاسد. انظر لسان العرب لابن منظور، مادة (خلف) .