فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 604

أبناء طوبيا في سلوكهم المتقلب بين القطبين، عن نزعة هذه الطبقة لاستغلال الصراع بين البطالسة والسلوقيين لزيادة ثرائها وسلطانها. وتميّز بهذا السلوك أحد أبناء يوسف بن طوبيا الجابي، هوركانوس، الذي ذهب وأقام في الإسكندرية، واقترب من بلاط الملك، وأخيرا حصل منه على مرسوم بتعيينه جابيا، ورئيسا للجيروشيا، بدلا من والده، وعلى حساب إخوته الآخرين، الأمر الذي دفع هؤلاء للانحياز إلى السلوقيين. وشهدت الفترة الأخيرة من حكم البطالسة في فلسطين تقلبات متواترة من هذا النمط.

وعندما اعتلى أنطيوخوس الرابع (أبيفانس) عرش السلوقيين (175 ـ 164 ق. م.) ، أدخل تعديلات كبيرة على الحكم. فقد عرف أبيفانس بحماسته الشديدة لنشر الحضارة اليونانية وتكريسها. فاستغل الخلافات في أورشليم لتحويلها إلى مدينة يونانية (بولس) . وبعد حملته الثانية على مصر (168 ـ 167 ق. م.) ، التي اضطر إلى الانسحاب منها بأمر من روما، عرّج على أورشليم في طريق عودته. وكانت هذه قد تمردت على سلطانه في إثر انتشار إشاعة عن موته. فاحتل المدينة بهجوم صاعق، ونكل بالمتمردين، ونهب كنوز الهيكل. ولاحقا، أصدر مرسوما يقضي بمنع اليهود من ممارسة شعائرهم وطقوسهم وعباداتهم، على اعتبار أورشليم مدينة يونانية فقط، ومعاقبة المخالف بالموت.

وإضافة إلى تعيين كاهن أكبر ذي ميول هلّينية قوية، منيلاوس، ولضمان سيطرته على أورشليم، فقد أقام فيها مستوطنة يونانية ـ الحكرا ـ وانضم إليها يهود من أصحاب النزعة الهلينية. وبنى في المدينة «جمناسيوم» ، سريعا ما تجاوز الهيكل كبؤرة اهتمام في الحياة الاجتماعية. ثمّ حوّل الهيكل ذاته إلى معبد للإله الأولمبي زيوس (167 ق. م.) ، وأصدر أمرا بمنع عطلة السبت، وإبطال فريضة الختان، وأعلن عقوبة الموت على كل يهودي يخالف هذه الأوامر. وعدا زيادة الضرائب، واللجوء إلى الأساليب التعسفية في جمعها، طالب اليهود بتقديم الأضاحي غير الحلال ـ الخنازير ـ قربانا لسلامة الملك.

وإزاء سياسة أبيفانس، نشبت حركة تمرد في صفوف الفلاحين وأبناء الطبقات الفقيرة المعادية لليونان وأوليائهم من اليهود. وفي قرية موديعين ـ بالقرب من اللد ـ قام متتياهو الحشموني وقتل كاهنا يهوديا لبّى الدعوة بتقديم ضحية باسم الملك، كما قتل مبعوث السلطة، وكسر المذبح، وأعلن التمرد. وتحوّلت حركته هذه إلى ثورة واسعة النطاق، حشدت قوة مقاتلة من المتطوعين الريفيين، فخرج بهم إلى الصحراء تحاشيا للصدام مع قوة الجيش اليوناني المتفوقة. وأدار من المغاور التي أقام فيها مع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت