فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 604

النهاية، فقد اندلع الصراع بين ابنيها، هوركانوس الثاني وأرسطوبولوس الثاني ودخل الفريسيون على خط هذا النزاع، فاجتاحت مملكة الحشمونيين حرب أهلية. وتحالف أنتيباتر الأدومي مع هوركانوس، وسعى للتحالف مع أريتاس (الحارث الثالث) ملك الأنباط وبمساعدته غزوا يوديا، واحتلوا أورشليم، وحاصروا أرسطوبولوس في جزء منها. ولكن في هذه الأثناء وصل بومبي، القائد الروماني إلى سورية، وسارع الجميع إلى استرضائه وخطب ودّه، طمعا في الولاية بمرسوم منه.

ب) المدن الهلنستية

شهدت فلسطين، أسوة بغيرها من بلاد الشرق الأدنى القديم، بعد حملة الإسكندر، حركة استيطانية يونانية واسعة، تركت آثارا واضحة في التركيب الديموغرافي لسكانها، حيث تعزز العنصر اليوناني أو «المتهلين» (المعتنق للثقافة اليونانية من أبناء البلد الأصليين) . فقد عقب العملية العسكرية الناجحة، موجة من المستوطنين اليونان ـ مزارعين وحرفيين وإداريين وجنود وتجار ومثقفين وفنيين ... إلخ. وقد حمل هؤلاء معهم الحضارة الهلينية، التي أرادوا نشرها وترسيخها. وبعد موت الإسكندر، وانقسام إمبراطوريته بين قادته، وقعت فلسطين تحت حكم البطالسة، في مصر. وقد تصرف هؤلاء بحذر، وكان همهم مصر، أمّا في فلسطين فقد أرادوا الحفاظ على الوضع القائم، ولم يغالوا بالاستيطان فيها، بل سعوا للإفادة من موقعها الاستراتيجي لحماية حدود مملكتهم، واستغلال مواردها الاقتصادية، وخصوصا طرق التجارة فيها. في المقابل، كان السلوقيون يعتبرون أنفسهم ورثة الإسكندر الشرعيين، وبالتالي حملة لواء الهلينة، التي أرادوا توحيد مملكتهم تحت رايتها. وتطلع السلوقيون إلى المستوطنين اليونان والمقدونيين لمساعدتهم في تحقيق هذه الغاية، من جهة، وإلى اعتناق الشعوب المحلية لمبادئ الحضارة اليونانية (الهلينة) ، من جهة أخرى. وقد اصطدمت هذه النزعة بمقاومة محلية، كما أصابت نجاحا غير قليل، فتركت بصماتها على المنطقة بمجملها، ديموغرافيا وحضاريا وثقافيا، الأمر الذي يميّز هذا العصر من غيره من العصور السابقة.

وبناء عليه، توجه الملوك السلوقيون إلى تشجيع الاستيطان اليوناني، بعناصره المتعددة، وإلى نشر الثقافة اليونانية وأسلوب الحياة الإغريقي بين الشعوب الواقعة تحت حكمهم. وكانت المدن الهلنستية (بولس) هي وسيلتهم لتحقيق تلك الغاية، فنشطوا في بنائها، وشحنها بالسكان ـ اليونان والمتهلينين ـ الذين اجتذبوا إليها عبر الامتيازات التي منحت لتلك المدن، من خلال الحكم الذاتي، ورعاية المؤسسات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت