فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 604

وانتهز سيدتس هذه الفرصة، وغزا يوديا، وحاصر أورشليم. ولم يجد هوركانوس مناصا من الخضوع الجزئي لطلبات سيدتس، بإعادة المدن التي احتلها والده في الساحل، وتقليص استقلاله السياسي. ومع ذلك، وربما بضغط من روما، توصل الطرفان إلى تفاهم، وبالتالي إلى تحالف، تعهد بموجبه هوركانوس أن يساند سيدتس في حربه ضد الفرثيين (129 ق. م.) . لكن هذه الحملة هزت أركان المملكة السلوقية، الأمر الذي أتاح الفرصة لهوركانوس لاستعادة استقلاله السياسي، والتفرغ بنشاط لتوسيع الأراضي الواقعة تحت حكمه. وما عدا المدن الهلينية، فقد استعاد معظم المناطق التي تشكلت منها مملكة داود وسليمان في حينه.

وغزا هوركانوس شرقي الأردن، واحتل بلاد مؤاب، بما فيها العاصمة مأدبا. ثم توجه شمالا فغزا السامرة، واحتل شيكم، ووصل جرزيم وهدم هيكل السمرة. ثم توجه جنوبا، فاحتل أراضي الأدوميين، وفرض عليهم اعتناق الديانة اليهودية. وفي ذروة نشاطه التوسعي في آخر أيامه، وفي أيام ابنه ووارثه، أرسطوبولوس (104 ـ 103 ق. م.) ، احتل مدنا هلينية مثل سماريا وسكيتوبولس (بيسان) ، ومن ثم الجليل، الذي كان يسكنه الأيطوريون (عرب) . وتابع هذه السياسة التوسعية، وبصورة مغامرة، ألكسندر يناي (103 ـ 76 ق. م.) ، الذي ذهب بعيدا بمهاجمة المدن الهلينية، وحتى الكبيرة منها ـ الديكابولس (المدن العشر الكبار) . وكانت هذه طفرة الحشمونيين الأخيرة.

لقد كبح الحشمونيون السيطرة السلوقية السياسية في فلسطين، لكنهم لم يقتلعوا التأثير الهليني الحضاري، ولا الوجود الاستيطاني اليوناني الواسع. وعندما بادروا إلى فرض اعتناق اليهودية على شعوب البلاد الأخرى، فقد أعطوها طابعا يهوديا في الأغلب. ولعل المثال الصارخ على ذلك هو تبني الأدوميين الجماعي اليهودية ديانة، مع تمسكهم بالهلينية حضارة وثقافة. وإذ قامت الحركة الحشمونية على أساس مناوئ للهلينية، إلّا إنهم سرعان ما تصالحوا مع أتباعها (الفرّيسيين) ، وراحوا هم أنفسهم يتبنون العادات اليونانية، وحتى الأسماء الشخصية. وعندما أخذوا يحتكرون السلطتين ـ الدينية والمدنية ـ برزت معارضة من الفريسيين، الذين مثلوا العائلات الغنية، من معارضي الحشمونيين في البداية، ثم تصالحوا معهم. واشتد هذا الصراع على الخصوص في أيام ألكسندر يناي (103 ـ 76 ق. م.) .

وكان حكم يناي فترة عاصفة من الصراعات، داخليا وخارجيا. وقبل موته، عين زوجته، شلومتسيون، وصية على الملك، وأوصاها بالتصالح مع الفريسيين، ففعلت. واستطاعت في بداية حكمها (76 ـ 67 ق. م.) أن ترضيهم وتستميلهم. أمّا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت