فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 604

بينهما (629 م) ، واستعاد هيراكليوس الولايات الشرقية، بما فيها إيليا كابيتولينا، وكذلك «الصليب المقدس» الذي أعيد إليها بموكب فخم.

إن السهولة التي احتل بها الفرس الولايات الشرقية للإمبراطورية البيزنطية، لا يمكن تفسيرها من دون الأخذ في الاعتبار الصراعات الدينية داخل الكنيسة المسيحية، وما رافقها من قمع وإراقة دماء. فهذه الولايات كانت في شقاق مع بيزنطة، لأسباب سياسية وقومية، عبرت عنه في تشبثها بالعقيدة المونوفيزيتية، المناهضة للكنيسة الرسمية. وزاد في ميل سكان هذه الولايات إلى الفرس، المعاملة الحسنة التي كان يتمتع بها النسطوريون تحت حكمهم. أمّا في فلسطين، فعلى الرغم من أن البطريرك كان مواليا للمركز، فقد كانت أغلبية الناس في المعارضة. ومع ذلك، انتقم الفرس من مسيحيي البلاد وكنائسهم، وخصوصا في أورشليم، وسمحوا لليهود باستباحة معابد المسيحيين ومنازلهم. وانتهز هؤلاء الفرصة ظنّا منهم أن الحكم الفارسي سيعيد إليهم السلطة في البلاد، كما فعل كورش في حينه. لكن هذه الأحلام تبددت بالنصر الذي أحرزه هيراكليوس على الفرس.

والنصر الباهر الذي حققه هيراكليوس وضعه في مصاف الأباطرة العظام، وهناك من شبهه بالإسكندر المقدوني. لكن «الفتح العربي» الذي جاء سريعا في إثره غطى عليه. ومع ذلك، فإن هذه الحرب مع الفرس، وما آلت إليه من نتائج، مهدت الطريق أمام الفتح العربي، وبالتالي إزالة الدولة الساسانية من الوجود، في حين صمدت بيزنطة ثمانية قرون أخرى. وبعد توقيع الصلح مع الفرس، عرج هيراكليوس على إيليا كابيتولينا في طريق عودته إلى بيزنطة، ودخلها باحتفال كبير، وأعاد «الصليب المقدس» إلى موضعه، وأمر بترميم الكنائس التي خربت، ومنع اليهود من دخول «المدينة المقدسة» ، وحاكم المسؤولين عن ارتكاب المجازر ضد المسيحيين، ولاحقا أصدر مرسوما يحظر عليهم ممارسة شعائرهم الدينية.

العمران

لقد حققت الولايات الشرقية من الإمبراطورية الرومانية نهضة عمرانية وفنية وفكرية، في العصر البيزنطي، وخصوصا بعد بروز الديانة المسيحية. فإضافة إلى هندسة المدن، التي أقيم الكثير منها، بنيت كنائس فخمة وأديرة وأبنية عامة، تجلى فيها الفن البيزنطي الرائع. وفي صوغ هذا الفن المتميّز تضافرت ثلاثة عناصر أساسية، هي: المسيحية والهلّينية والتراث الشرقي. وكانت مدينة أنطاكيا، عاصمة الولاية السورية، هي الرائدة على هذا الصعيد. كما قامت في بلاد الشام مراكز أدبية وثقافية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت