فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 604

تجاوز أثرها حدود الولاية بكثير. وإذ كانت الإسكندرية هي الرائدة في هذا المجال، فقد اشتهرت بيروت بمدرسة الحقوق، وقيساريا وغزة بمدارس البلاغة والشعر. ومن قيساريا جاء «أبو تاريخ الكنيسة» (يوسيبيوس القيصري) ، الذي يعتبر المصدر الرئيسي عن حياة قسطنطين وبداية المسيحية.

وشهد العصر البيزنطي تغيّرا ملحوظا بالتركيب السكاني في فلسطين. ففي مقابل تقلص أعداد اليهود فيها، ازدادت نسبة العرب، إذ إضافة إلى العناصر التي كانت تعيش فيها، وعلى أطرافها، منذ القدم ـ أنباط وأدوميين وأيطوريين، وغيرهم ـ دخلت قبائل جديدة من الغسانيين وحلفائهم، وعاشت إلى جانب السكان الأصليين الذين تمركزوا في المدن أصلا ـ سوريين (أراميين) ويونان ورومان وأرمن ويهود وغيرهم. وكان الغسانيون قد انتشروا خلال القرنين ـ الخامس والسادس الميلاديين ـ في سورية وشرق الأردن وفلسطين، وتحالفوا مع البيزنطيين وأقاموا دولة حدودية قوية، حلت محل خط الحدود الدفاعي الروماني (ليمس) . وقد تنصر الغسانيون، وكانوا يتبعون العقيدة المونوفيزيتية. وبسبب موقعهم ودورهم، كان بنو غسان بؤرة جذب لقبائل متعددة، دخلت في تحالف معهم، واستقرت في المنطقة.

وضمن الترتيبات الإدارية ـ الدفاعية التي أدخلها الإمبراطور ديوقلتيان (284 ـ 305 م) ، تمت إقامة خط حصون دفاعي على حدود الصحراء في جنوب فلسطين وشرق الأردن. وكانت مهمة القوات العسكرية في هذا الخط، الذي عرف باسم (ليمس) ، ضبط حركة القبائل العربية الرحالة في هذه المناطق. كما عمد ديوقلتيان إلى تقسيم الولايات إلى وحدات أصغر حجما ـ ألوية. وقسمت فلسطين (يوديا سابقا) في عهده إلى لواءين، وبعده إلى ثلاثة. ونحو سنة 400 م، كانت فلسطين مكونة من ثلاثة ألوية، هي: 1) «فلسطين الأولى» ، وتضم الأجزاء الوسطى من البلد ـ الجبل والساحل ـ ومركزها الإداري قيساريا، والمركز الروحي في إيليا كابيتولينا؛ 2) «فلسطين الثانية» ، وتضم الجليل، وبعض أجزاء شرق الأردن الشمالي (الجلعاد) ، ومركزها بيسان؛ 3) «فلسطين الثالثة» ، وتضم جنوب فلسطين وشرق الأردن (مناطق الأدوميين والأنباط سابقا) ومركزها البتراء.

ولضبط الإدارة، مدنيا وكنسيا، قسمت الألوية إلى أقضية، في مركز كل منها مدينة. ويتضح من المصادر المتوفرة أن عدد المدن ازداد في فلسطين منذ القرن الثالث الميلادي، إذ أصبحت البلاد كلها مقسمة إلى وحدات مدينية تتمتع بحكم ذاتي. وجنبا إلى جنب مع الإدارة الحكومية كانت تقوم إدارة كنسية، وبتراتبية متوازية مع أهمية المدينة كمركز، لتطابق الإدارتين منذ أيام قسطنطين وخلفائه. وبطريركية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت