فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 604

البلاد وداخلها. وفي الواقع، فإنهم حتى قبل دخول القدس كانوا قد قطعوا شوطا على هذا الصعيد. وكانت بيت لحم قد استسلمت، وكذلك فعلت أريحا ونابلس، عندما استولى تانكرد، قريب بوهيمند، على طبرية وبيسان، وجعل طبرية عاصمة لإمارة الجليل، التي لم تعمّر طويلا. وبعد أن سيطروا على الداخل، وجد الصليبيون أنفسهم في موقف حرج، ذلك لأن الساحل لم يكن بأيديهم، الأمر الذي عزلهم عن أوروبا ـ مصدر تزويدهم بالعتاد والمؤن والرجال والخيل والمال. وصحا الفاطميون على هذه الحقيقة، ولو متأخرا، وحاولوا استغلال هذا الواقع، لكنهم لم يفلحوا كثيرا، في غياب النية الجادة، بل القدرة العملية، على اقتلاع الصليبيين من الشرق. لقد كانت أولوية الفاطميين تتمحور حول الصراع الداخلي والتنافس مع السلاجقة، فسعوا للتفاهم مع الصليبيين. وبذلك فوتوا على أنفسهم فرصة جيدة لاجتثاث الخطر الصليبي في المهد، وهو يعاني حالة الضعف والعزلة.

وعندما حاول الفاطميون مواجهة الصليبيين، هزموا في معركة برية بالقرب من عسقلان في آب / أغسطس 1099 م، انتقل بعدها الصليبيون لاستكمال احتلال مدن الساحل: فسقطت يافا، بعد أن هجرها سكانها، وتحولت إلى الميناء الرئيسي الذي عبره جرى تزويد المملكة الجديدة بوسائل الحياة من أوروبا. وفي هذه الأثناء مات غودفري، واحتل مكانه أخوه بولدوين، الذي انتقل من إديسا إلى القدس. وباعتلائه عرش المملكة، تحرك بنشاط كبير. وخلال عشر سنوات أصبحت أغلبية مدن الساحل في يده، الأمر الذي مكّن أساطيل المدن الإيطالية التجارية من التصدي للأسطول الفاطمي القوي، والحؤول دون تمكنه من إقامة رأس جسر على الساحل لمقاتلة المملكة اللاتينية. وفي المقابل، تعهدت تلك الأساطيل بنقل أنواع الدعم اللازم جميعها لهذه المملكة، التي لا تزال في طور التكوين، من أوروبا، لقاء امتيازات تجارية تمنح للمدن الإيطالية في مدن الساحل السوري التي تقع في أيدي المملكة. وبمساعدة أساطيل المدن الإيطالية، جرى احتلال مدن الساحل، وبالتالي إقامة الصلة مع الإمارات الأخرى في الشرق ـ أنطاكيا وطرابلس. ففي آب / أغسطس 1100 م سقطت حيفا، وكان ميناؤها يضم دارا لصناعة السفن، أقامه الفاطميون. وبعدها أرسوف في نيسان / أبريل 1101 م، ثم قيساريا في السنة نفسها. أمّا عكا فصمدت بفضل أسوارها القوية إلى أيار / مايو 1104 م. وبقيت بيروت حتى سنة 1110 م، وكذلك صيدا. أمّا صور فقد قاومت حتى سنة 1124 م، الأمر الذي اضطر الصليبيين إلى إقامة قلعتين للدفاع عن الطريق المؤدي منها إلى الداخل: الأولى في تبنين (1107 م) ، والثانية إسكندرون (1116 م) . أمّا عسقلان، فقد ظلت قاعدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت