فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 604

التوصل إلى معاهدة مع الصليبيين، يقتسم بموجبها الطرفان الساحل السوري. لكن المفاوضات التي أفادت الصليبيين، ومكنتهم من احتلال أنطاكيا في حزيران / يونيو 1098 م لم تؤدّ إلى اتفاق. وفي أنطاكيا، وعلى الرغم من معارضة قادة الجيوش الأخرى، أقام بوهيمند النورماني إمارة ثانية، أثارت غضب الإمبراطور ألكسيوس، الذي رأى فيها خطرا يهدد بيزنطة نفسها.

وبعد تلكؤ دام عدة أشهر، بسبب الخلافات الداخلية، والتي انتهزها سلطان الموصل، برقياروق، لمحاصرة الصليبيين في أنطاكيا، إذ ضيق الخناق عليهم من دون القدرة على دحرهم، واصلوا تقدمهم جنوبا في اتجاه فلسطين. فأخذوا معرّة النعمان، وقاموا بمذبحة كبيرة فيها، ومنها انتقلوا إلى شيزر، فوادعهم صاحبها، ثم إلى عرقة، فحاصروها، وكانت وجهتهم الطريق الساحلي. وجاءهم وفد فاطمي للتفاوض مرة أخرى، ولكن من دون جدوى، فسارع هؤلاء إلى تعزيز مواقعهم الدفاعية في صور وعكا والقدس (1098 م) . وأخذ الصليبيون طرابلس، وأقاموا فيها لاحقا إمارة ثالثة، على رأسها ريموند دو طولوز. وتابعوا تقدمهم جنوبا مرورا ببيروت من دون احتلالها، وكذلك صيدا وصور، لأن هذه المدن لم تبد مقاومة، بل قدمت لهم المؤن والتسهيلات. واختار القادة الصليبيون التقدم نحو القدس، تحت ضغط جموع المقاتلين لاستكمال الحج إلى الأماكن المقدسة.

وتخلف عدد من المقاتلين في الإمارات التي تأسست حديثا ـ إديسا وأنطاكيا وطرابلس ـ ولم يبق كثيرون منهم للزحف على القدس. واستجاب ريموند دو طولوز لنداء غودفري دو بويون وتابعا طريقهما إلى القدس. وفي أيار / مايو 1099 م، ظهر هذا الجيش على الطريق الساحلي المؤدي إلى فلسطين من لبنان. وأفزع ظهوره حكام المدن الساحلية، فوافقوا على تقديم المؤن والمال للصليبيين في مقابل تخطي هؤلاء مدنهم من دون حصار. وسار الجيش الصليبي أمام عكا وحيفا وأرسوف، ووصل إلى قيساريا. ومن هناك انعطف إلى الرملة، عاصمة فلسطين، فهجرها أهلها، واحتلها الصليبيون، وتابعوا مسيرتهم إلى القدس. وامتنعت عليهم المدينة، فحاصروها من 7 حزيران / يونيو إلى 15 تموز / يوليو 1099 م. وسقطت في أيديهم، وقاموا بمذبحة رهيبة بالسكان المحليين، الذين يقدر عددهم ما بين 20 إلى 30 ألف نسمة. واستنكف ريموند، لأسباب دينية، عن تولي الملك في القدس، وقبل به غودفري، وحمل لقب «بارون ـ حامي كنيسة القيامة المقدسة» . أمّا ريموند فعاد لإقامة إمارته في طرابلس، بلقب كونت.

وبعد تأسيس مملكة أورشليم اللاتينية، توجه قادتها إلى استكمال احتلال ساحل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت