فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 604

على الإمارات الصليبية في الشرق. وكانت له علاقات تحالفية مع كلج أرسلان، أمير قونيا السلجوقي الذي كان زاره في القسطنطينية (1161 م) ، وأمضى في ضيافته 80 يوما. لكن مانويل، بعد أن شعر بقوته، خرج لقتال كلج أرسلان، وقاد الحملة بنفسه، بهدف احتلال قونيا (1176 م) . غير أن كلج ألحق به هزيمة نكراء في معركة ميريو سيفالو، إذ بالكاد استطاع الإمبراطور أن ينجو بنفسه. ومع ذلك، عقد الطرفان صلحا مشرفا لمانويل الضعيف. وزاد في أزمة الإمبراطور عقد معاهدة فينيسيا (1177 م) ، التي وضعت حدا للخلافات بين ملوك أوروبا، فحرمت مانويل من المناورة. وبذلك تدهور موقع بيزنطة، في الشرق كما في الغرب، وانتهزت الإمارات الصليبية الفرصة للتحرر من سيادة الإمبراطور عليها.

في هذه المرحلة ـ السبعينات من القرن الثاني عشر ـ كانت مملكة أورشليم اللاتينية في ذروة اتساعها. ففي الشمال كانت حدودها على نهر المعاملتين، بين جبيل التابعة لإمارة طرابلس، وبيروت التابعة للمملكة. ومن هناك على طول الساحل حتى دير البلح (دارون) . ومن بيروت شرقا إلى منابع الأردن وسفوح جبل الشيخ. ومن هناك جنوبا، إذ ضمت أجزاء من الجولان والجلعاد، وكل منطقة مؤاب حتى أيلة. وفي الجنوب الغربي، كان خط الحدود يمتد بين أيلة ودير البلح، عبر صحراء النقب. وهذه الدولة الواسعة والقوية، راحت تواجه دولة أخرى تتعاظم قوة في الشمال الشرقي، بينما تسعى لضم مصر إليها، مستندة في عملها هذا إلى الدعوة إلى الجهاد ضد الفرنجة في الشرق. وبعد موت نور الدين زنكي (1174 م) ، وتولي صلاح الدين الأيوبي مكانه، موحّدا بذلك مصر وسورية، ومن ثمّ سقوط حلب في يده (1183 م) ، وضع صلاح الدين مملكة أورشليم اللاتينية بين فكي كماشة ـ مصر وسورية ـ بقيادة موحدة، تمتلك خطة مركزية لمواجهة الفرنجة.

بعد الحملة الثانية، كان واضحا أن الكفة تميل لغير مصلحة الفرنجة في الشرق. وبينما كان المسار العام في الإمارات الصليبية هو الصراع من أجل الانفصال والتفتت، كان العكس صحيحا في الجانب الإسلامي، حيث الصراع محتدم من أجل التوحيد، ويقوده صلاح الدين الأيوبي، بعد موت نور الدين زنكي. وكان صلاح الدين يقوم بهجمات محدودة على أطراف مملكة أورشليم منذ أيام نور الدين ـ غزة (1170 م) والشوبك وأيلة (1171 م) والكرك (1173 م) . ولكن منذ سنة 1177 م، أصبح قتال الفرنجة يتخذ لدى صلاح الدين صيغة خطة مبرمجة، ترمي إلى تصفية مملكتهم في الشرق. ففي ذلك العام، هاجم دير البلح وغزة، واحتل الرملة، وفرض حصارا على اللد، ووصل إلى أرسوف، لكنه هزم في معركة جيزر، على يد بولدوين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت