فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 604

مقدمة

إذا صحت مقولة أن الخارج من الجغرافيا يغادر التاريخ أيضا، فالأكيد أن القابع في قلبها لا بدّ من أن يحسّ بنبضه. ولئن انطبق ذلك على عدد من البلدان المعمورة، فإن فلسطين تتصدر القائمة. فقد كانت تعتبر حتى نهاية القرن الخامس عشر، «صرّة» العالم الآهل (الأيكومين) ، وشكلت مركزيتها أحد أسس علمي الجغرافيا والكارتوغرافيا إلى حينه، حتى أثبتت الاكتشافات الحديثة غير ذلك. لكن المسألة ظلت عالقة بالأذهان، ولو بصورة مجازية. ففلسطين تقع في الطرف الجنوبي الغربي من الهلال الخصيب، وبذلك تشكّل الرقعة المحاذية للجسر البري الذي يصل آسيا بإفريقيا، وبالتالي الأقرب من بلاد الشام لوادي النيل. وهي ليست جسرا بين قارتين كبيرتين فحسب، بل بين محيطين أيضا: الأطلسي والهندي. فساحلها جزء من الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط الذي هو امتداد للمحيط الأطلسي، وطرفها الجنوبي يقع على خليج العقبة الذي هو امتداد للمحيط الهندي، عبر البحر الأحمر، وبموقعها هذا شكلت فلسطين ملتقى لطرق برية وبحرية، منذ أقدم العصور المعروفة، وأدت دورا مهما في التجارة الدولية والتبادل الحضاري بين الأمم. كما أنها نقطة تقاطع طرق جوية في العصر الحديث. وكان طبيعيا أن يتأثر تاريخها بهذا الموقع الاستراتيجي، وأن تؤثر هي من هذا الموقع في تاريخ المنطقة والعالم.

ويخترق فلسطين من الشمال إلى الجنوب الانهدام السوري ـ الإفريقي في غور الأردن، الأمر الذي جعلها معبرا لأجناس بشرية وحيوانية ونباتية منذ العصور الموغلة في القدم. وفيما هي جزء من الهلال الخصيب، الذي يشكّل شبه دائرة من الأراضي الزراعية يمتد من الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، مرورا بشمال سورية، وصولا إلى بلاد ما بين النهرين، فإنها تقع بين البحر في الغرب والصحراء في الشرق؛ وهذا ما جعلها تتأثر بهما مناخيا وسكانيا أيضا. وكان أثر الصحراء فيها على الصعيد الديموغرافي أكبر، إذ ظلت موجات متتالية من هجرة القبائل تندفع من قلب الصحراء العربية إلى جميع أنحاء الهلال الخصيب، ومنه فلسطين. لكن البحر أدّى دورا في هذا المجال أيضا، إذ إن فلسطين نزلتها شعوب البحر، كما شهدت حركات استيطانية في عصور متعددة، جاءت من منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط. غير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت