فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 604

أن العامل الأكثر أثرا في تاريخها القديم هو وقوعها بين مركزي الحضارات التاريخية الأولى: وادي دجلة والفرات من جهة، ووادي النيل من جهة أخرى. أمّا في العصور اللاحقة، فقد كان لموقعها الاستراتيجي ومكانتها الدينية والطرق التي تتقاطع فيها وفي جوارها، أثر كبير في صوغ تاريخها.

لكن فلسطين، ومن موقعها الجغرافي أيضا، لم تكن محط أنظار هجرات قبائل وشعوب للاستقرار بها، ولا نقطة تبادل تجاري وحضاري فحسب، بل كانت أيضا ممرّا للجيوش في حملاتها المتبادلة وساحة للمعارك بين العمالقة. لذلك، وطوال تاريخها، كانت فلسطين عرضة لضغوط سياسية من جميع الاتجاهات، وكجزء عضوي من بلاد الشام، ظلت عنصرا مهما في الصراعات أو التحالفات الداخلية فيها. وبينما كانت قبائل الصحراء تتوغل فيها، وخصوصا عندما تكون السلطة المركزية فيها ضعيفة، للإفادة من أراضيها والاستقرار والتحوّل إلى الزراعة، كانت سواحلها عرضة لغزوات من البحر بهدف السيطرة على الداخل السوري، الذي كانت له أهمية تجارية دولية طوال العصور. وبعد نشوء الإمبراطوريات الكبيرة في العراق ومصر أصبحت فلسطين، ولفترات طويلة، ممرا لجيوشها في صراعاتها بشأن السيادة والسيطرة على هذا الجسر الواصل / الفاصل بينها. وعلاقة فلسطين بهذين القطبين قديمة قدم التاريخ؛ وبالنسبة إلى مصر فقد كانت قائمة منذ ما قبل التاريخ. فالطريق الذي يعبر سيناء مزروع بالمحطات والآبار لخدمة القوافل التجارية، التي كانت سبيلا للتبادل الحضاري أيضا، وخصوصا مع الجزء الجنوبي منها.

ومنذ أيام المملكة القديمة في مصر (الألف الثالث قبل الميلاد) ، رأى الفراعنة في فلسطين، على الأقل في جنوبها، سدّا يحمي بلادهم من جهة حدودها الضعيفة في الشمال الشرقي، وعلى الخصوص إزاء تسلل القبائل الرحالة عبرها، والتوغل في سيناء إلى وادي النيل، فحاولوا تعزيز نفوذهم فيها، وإن عبر حكام محليين. وقد تغير هذا المنظور جذريا بعد غزو الهكسوس لمصر، ومن ثمّ طردهم منها، أيام السلالة الثامنة عشرة، التي كان أبرز فراعنتها تحتمس الثالث (1468 ـ 1436 ق. م.) ، الذي دمر قوة الهكسوس والكنعانيين في معركة مجدو، واحتل المنطقة حتى نهر الفرات. وفي المقابل، رأى فيها ملوك أشور وبابل وفارس خشبة القفز إلى مصر واحتلالها، الأمر الذي تكرر مرات كثيرة. أمّا قوى البحر الأبيض المتوسط ـ اليونان والرومان ـ فقد أرادت السيطرة على فلسطين لتكريس هيمنتها على ذلك البحر من جهة، وللتوغل في شرقه من أجل وضع اليد على ثروات البلاد الواقعة هناك من جهة أخرى. وفي المقابل، رأت قوى الشرق ـ وخصوصا العرب ـ في فلسطين أقصر الطرق للوصول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت