فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 604

فالإمبراطورية، نتيجة ما ولّده ازدهار المدن من تحوّلات اجتماعية داخلية، وما نجم عن هذه التحولات من صوغ للعلاقات الخارجية، سلمية أو عدائية، ظلت بلاد الشام، ولأسبابها الخاصة أيضا، تراوح في مرحلة مدن ـ الدولة. ولمّا كانت الكتابة، وبالتالي الدخول إلى عصر التاريخ، تعبيرا عن هذا التطور، أولا في العراق، ومن ثمّ في مصر، فقد تخلفت بطبيعة الحال مدن ـ الدولة في بلاد الشام عنهما في هذا المضمار. ولكنه لا بدّ من الإشارة إلى أن حفريات جديدة في سورية وفلسطين، كما هو الحال في إبلا، قد تغيّر هذا الاستنتاج الشائع حتى الآن، والمؤشرات في سورية واعدة أكثر منها في فلسطين.

وبناء عليه، فإنه عدا ما تكشفه الحفريات عن أوضاع المدن الأولى في فلسطين، هناك القليل من المعلومات التي توفرها الوثائق المكتوبة التي عثر عليها في العراق ومصر. وهذه الوثائق، نظرا إلى طبيعتها، وأولويات اهتمام كتّابها، فضلا عن قلتها، لا تساعد كثيرا على إيجاد الأجوبة للأسئلة التي تطرحها نتائج التنقيبات الأثرية، كأعراض التغيّر الحضاري والحرب وتدمير المدن والقرى وإعادة بنائها ... إلخ. ولعل الوضع في شمال بلاد الشام أفضل حالا على هذا الصعيد من جنوبها، وذلك بفضل الوثائق التي اكتشفت في ماري (تل الحريري) ولاحقا في إبلا (تل مرديخ) ، وكذلك في جبيل (بيبلوس) وأوغاريت (رأس الشمرا) وغيرها.

ومع ذلك، فإن ما يتوفر لدينا من معلومات يؤكد أن ثورة عصر المدن قد طالت فلسطين بكل أبعادها ـ السكانية والمادية والروحية والعمرانية ... إلخ. وباستثناء الوحدة السياسية، التي لم تتحقق قط خلال هذه العصور، فإن المدن الفلسطينية امتلكت كل السمات الأساسية لتلك التي برزت في العراق ومصر. فقد راح عدد سكانها يزداد، ورقعتها تتسع، وتخطيطها يرتقي، وتحصيناتها تعلو، وأبنيتها المركزية تشمخ، ومرافقها تتطور. والأكيد أنه جنبا إلى جنب مع هذه التحوّلات، تطورت العلاقات الاجتماعية، وتميّزت الطبقات، واستقرت التراتبية السلطوية. ومعها تعمقت مركزية النظام السياسي، وكذلك الاستقطاب الاجتماعي، من قمة الهرم ـ النبلاء ـ إلى قاعدته ـ العبيد ـ وما بينهما ـ تجار وجنود ومزارعون وحرفيون ـ وفي موقع خاص، الكهنة والكتبة والإداريون.

والصراع التناحري الذي نشب بين سكان هذه المدن، الذين ينعمون باستقرار الحياة فيها وازدهارها، وبين الجماعات البدوية، المتجولة على أطراف مجالها الحيوي، والمتربصة على الدوام بها، تتحين الفرص للانقضاض عليها، قد حفز بالضرورة سكان تلك المدن على إقامة التحصينات الدفاعية. ولمّا لم تعد الأسوار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت