فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 604

كافية، عمدت مدن ـ الدولة هذه إلى بناء قوتها العسكرية، وسرعان ما انتقلت بدورها من الدفاع إلى الهجوم مع احتدام التناقض، سواء مع الجماعات الغازية، أو مع المدن الأخرى المنافسة، بشأن الأرض أو الموارد أو من أجل الهيمنة. وتحولت الآلة العسكرية إلى حاضنة للسلطة، ومن صفوفها برز الملوك، وبسيوفها فرضوا سلطانهم وهيبتهم، وبدماء جنودها حققوا أحلامهم التوسعية.

والمدن السومرية، التي قامت ورسالتها خدمة الإله، مالك الأرض، وواهب نعم السماء، وبالتالي تمحورت حول الهيكل، حيث يقيم وكلاء الإله ـ الكهنة ـ ويديرون شؤون ملكه، تحولت مع الزمن، وبتطور متدرج، يحكمه التفاعل بين الذاتي والموضوعي، إلى مراكز للسلطة، تتمحور الحياة فيها حول بلاط الملك. وإذ لم يختف الهيكل وكهنته، فإنهما أصبحا في خدمة الملك، الذي صار نائب الإله على الأرض، بل تجسيده المادي، أو هو نفسه أحيانا. وهكذا تنازلت المدن السومرية، بقيادة الكهنة، وبمجتمعها القائم على استرضاء الآلهة بدلا من الحرب، عن مكانها لمدن الدولة العسكرية، لأنها لم تكن في موقع يؤهلها للتعامل الناجع مع الغزاة من القبائل الرحالة، التي كانت تجيد مهنة القتال، ولا تتورّع عن الحرب في سبيل العيش الرغيد كسادة لسكان المدن.

والنمط السياسي الذي ساد في فلسطين في بداية عصر المدن، كان شبيها إلى حد كبير بذلك الذي قام في العراق، لكنه تباين عن النمط المصري، إذ كان الانقسام في البداية بين الشمال والجنوب، مصر العليا في مواجهة مصر السفلى. لقد توحدت مصر في بداية الألف الثالث قبل الميلاد، وقامت السلالة الأولى، مبتدئة بذلك سلسلة طويلة من السلالات، وكذلك جرى في العراق، إذ تواكبت عملية التوحيد مع بدايات التوسع الإمبراطوري. وحتى في شمال سورية قامت مراكز مدينية كبيرة: ماري وإبلا، وغيرهما، بينما حافظت المدن الفلسطينية على استقلالها، وبالتالي، على تواضع دورها الحضاري بالنسبة إلى كل من العراق ومصر وسورية.

والمدن (التلال) الفلسطينية من عصر البرونز المبكر المنتشرة في جميع أرجاء البلد، كانت على العموم تقع في نقاط استراتيجية، تسيطر على المروج، أو على طرق التجارة الدولية القديمة. ويقدر عدد المواقع التي تعود إلى هذا العصر في فلسطين بنحو 900 مستوطنة، منها نحو 20 مدينة كبيرة، ويقدر عدد سكانها مجتمعة بنحو 000، 150 نسمة. وتشير الدلائل المادية على أنها كانت مزدهرة، وتمتعت بتنظيم محلي جيد، وأدارت تجارة دولية ناجحة، فضلا عن الزراعة والصناعة، لكنها، في مقابل مدن العراق مثلا، تبقى صغيرة الحجم والأهمية. ففي الوركاء (أوروك)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت