فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 604

السومرية، تبلغ مساحة التل نحو 4000 دونم، في حين لا تزيد مساحة تلال فلسطين بصورة عامة عن 200 دونم، وهي موزعة في الجبال والمروج، بينما الكثافة تتمركز في غور الأردن ومرج ابن عامر والسهل الساحلي.

ولأنها لم تشكل وحدة سياسية، مع إنها شكلت وحدة حضارية في إطار بلاد الشام، مع تمايزات يفرضها الموقع ونمط الإنتاج الرئيسي، فإن مدن ـ الدولة هذه في فلسطين لم تستطع الوقوف في وجه الحملات المتعاقبة، إذ تناوب عليها كل من العراق ومصر منذ منتصف الألف الثالث قبل الميلاد. كما أن المدن الفلسطينية لم يكن في قدرتها دائما صدّ موجات القبائل التي توغلت في أراضيها، بل غزتها واحتلتها ودمرتها أحيانا، وهو ما تكشف عنه الحفريات الأثرية. ومع ذلك، فالعلاقات مع مصر وسورية والعراق، وحتى مع بلاد الأناضول، لم تكن عدائية على الدوام، إذ تخللتها فترات من العلاقات السلمية، والتبادل التجاري والحضاري. وتبقى الأسوار العبيّة التي أحاطت بهذه المدن شاهدا على الهمّ الدفاعي الذي كان من نصيبها.

وهوية الجماعات التي بنت هذه المدن، أو التي غزتها ودمرتها، فتركتها خرابا أو شيّدت مدنا جديدة على أنقاضها، لا تزال موضوع نقاش بين المؤرخين وعلماء الآثار والأنثروبولوجيا. وإذ لا يخلو الجدل الدائر بشأن هذه المسألة من نزعات قطرية أو قومية أو حتى عرقية ـ شوفينية أحيانا، فإن غياب الوثائق المكتوبة، التي تقطع الشك باليقين، يترك الباب مفتوحا أمام الاجتهادات التي لا يخلو بعضها من الأغراض غير الموضوعية. وإذا كان التاريخ ليس كل الحقيقة أصلا، فإن أكثر ما يسيء إلى الحقيقة التاريخية محاولة توظيفها في خدمة أهداف لا تاريخية. وهذا العصر من تاريخ فلسطين بالذات، ولأسباب غير موضوعية، لعلها تتصل بالصراع العربي ـ الصهيوني، يثير جدلا، صاخبا أحيانا، بين الباحثين.

والأمر الذي يزيد في تعقيد مسألة الوصول إلى معرفة أصول هذه الشعوب، هو أننا لا نعلم على وجه الدقة، ماذا كان أبناؤها يسمون أنفسهم، وبالتالي كيف كانوا يرون العلاقات بين بعضهم البعض، أو مع الشعوب الأخرى المجاورة. وأغلبية الأسماء التي نستعملها اليوم للدلالة على تلك الشعوب، هي بالتأكيد غير تلك التي استعملها أبناؤها للتعريف بأنفسهم وهويتهم. والكثير من هذه الأسماء، التي تستند إلى وثائق قديمة وردت فيها، هو أقرب إلى الكنى، السلبية أحيانا كثيرة، التي أطلقها أبناء الحضارات العالية، في مصر والعراق، على الشعوب والجماعات الأخرى. وفي كثير من الأحيان، كانت هذه الأسماء ـ الكنى تشير إلى حالة اجتماعية أكثر من دلالتها على جماعة إثنية، أو تنسب الجماعة إلى موقع سكناها الجغرافي، وليس إلى أصولها، أو انتمائها العرقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت