فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 604

والأكيد أن تعاقب وصول هذه الجماعات إلى السلطة، بل غلبتها على غيرها والهيمنة على الآخرين، في هذه المنطقة أو تلك، لا يعكس بالضرورة تراتبية هجرتها زمنيا إلى المنطقة، أو حتى دخولها والتوغل فيها حربا، وبالتالي الاستيلاء بالقوة على السلطة. فجميع الدلائل المتوفرة تشير إلى أنه منذ أقدم العصور، عاش السومريون في خلف والعبيد، جنبا إلى جنب مع شعوب وجماعات أخرى، تتباين عنهم لغويا وحضاريا، أطلق عليها الباحثون اسم الشعوب السامية. ف «أكاد» ذاتها مأخوذة من اسم عاصمة ملكهم، وكذلك الحال بالنسبة إلى أشور وبابل وغيرهما.

وفي غياب الوثائق التاريخية، تبقى الفجوات تعتور معرفتنا بعلاقة الشعوب بعضها ببعض والتي ترد أسماؤها أو كناها، في المصادر اللاحقة، أي علاقة الأكاديين بالأشوريين والعموريين والكنعانيين والأراميين والعبرانيين ... إلخ. غير أنه مهما كانت أصول هذه الجماعات التي أقامت المدن الأولى بفلسطين في هذا العصر، فالمعلومات الواردة إلينا، أكانت من العراق أو مصر، تؤكد أنه على المستوى الحضاري، لم يكن سكان بلاد الشام أقلّ رقيّا. وقد زوّدت المدن في هذه المنطقة، بما فيها فلسطين، الممالك التي قامت في بلاد الرافدين ووادي النيل، أكان ذلك عبر التجارة أو الجزية، بالأخشاب والمعادن وغيرهما من المواد الأولية، كما زودتها بالمصنوعات المتعددة كالعاجيات وسواها وبالمنتوجات الزراعية كالنبيذ وزيت الزيتون.

وتفيد الوثائق المسمارية أن السومريين كانوا يطلقون اسم عمورو أو أمورو على قبائل إلى الغرب من الفرات، لم تكن مستقرة تماما. وكانوا يسمون جبل بشري (باسار) ، في بادية الشام، مرتفعات العموريين، إذ كانت تلك النقطة خط التماس بين منطقة نفوذ الدولة المركزية وسيطرة تلك القبائل. ولعل قلعة مدينة ماري العظيمة، والتي تحولت إلى حامية متقدمة للحضارة السومرية ـ الأكادية، حتى قبل عصر سرجون الأول، قد أقيمت للتصدي لهذه القبائل، في الشمال الغربي، كما أقيمت قلعتا لا جاش وأوما في مواجهة القبائل الإيرانية في الجنوب الشرقي. ومع الزمن، أصبح مصطلح عمورو (أمورو) يعني كل ما هو غرب الفرات، جغرافيا وبشريا.

ومن هنا، فمحاولات الباحثين إعادة بناء تاريخ فلسطين في هذه الفترة، ومن مصادر متعددة ـ أثرية أو منقوشة أو مكتوبة ـ تبقى مليئة بالفجوات. ومع ذلك، يتضح أن العموريين أدّوا دورا رئيسيا فيه. والإشارات إليهم ترد في الكتابات السومرية ـ الأكادية، ويدّعي بعض ملوكهم أنه حارب قبائل عمورو وانتصر عليها. وأول من ادّعى ذلك هو ملك الوركاء (أوروك) ، واسمه لوجال زاجيسي، الذي يتفاخر بأنه فتح البلدان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت