فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 604

وتعمل بالزراعة، وإنما ظلت على الأطراف، بين الصحراء والخضراء، تعمل أساسا بالرعي، أو بالتجارة الدولية، عبر نقل البضائع على دوابها، أو توفير الحماية لها، أو حتى المساهمة الفعلية فيها.

في هذا الإطار، يمكن قبول النوى التاريخية للروايات التوراتية، بعد تجريدها من العنصر القصصي والأسطوري الذي نسج حولها على مرّ العصور. فالوصف التوراتي للجماعة التي قادها إبراهيم، بخطوطه العريضة، وما تورده الأسفار الأولى من التوراة عن علاقة تلك الجماعة ببطون أخرى من قبيلتها، ينسجم بالعام، بغض النظر عن الخاص، مع الخريطة السكانية للهلال الخصيب، في بداية الألف الثاني قبل الميلاد. فإلى جانب سكان المدن المسوّرة، التي قامت وازدهرت في ذلك العصر، أكان ذلك في السهول، أو المروج، أو على الطرق الرئيسية للتجارة الدولية، كانت هناك عناصر بدوية متنقلة على أطراف الصحراء، وفي المناطق الجبلية قليلة السكان. ويبدو أن العبرانيين ينتمون في بداية ظهورهم في فلسطين إلى هذه العناصر.

وعلى افتراض أن قصة رحيل إبراهيم، وغيره من أقاربه وأبناء عشيرته، من العراق إلى فلسطين، مرورا بمدينة حرّان، ليست أسطورة من نسج الخيال، فإنها بالتأكيد لا يمكن اعتبارها تاريخا، لأن التاريخ غائب عنها تماما. وتسترعي الانتباه ظاهرة أن الشخصيات التي تركز عليها الروايات التوراتية ـ إبراهيم وتيرح وناحور ولوط وإسحاق ويعقوب وحتى يوسف، لا يرد لها ذكر في المصادر الأخرى. وإذا أمكن استيعاب ذلك على أساس أن هذه الشخصيات المركزية في التوراة هي هامشية جدا بالنسبة إلى المراكز المدينية الكبرى في ذلك العصر، فإن ما يدعو إلى الاستغراب هو تعذر تعريف شخص واحد من الأسماء الواردة في تلك الروايات بثقة، بالاستناد إلى النصوص التاريخية المتوفرة.

ومشكلة أخرى تواجه الباحث في هذه الروايات، تتعلق بغياب التواريخ، وعفوية استعمال الأعداد. وعلى افتراض تاريخية الأحداث المذكورة في أسفار التوراة القديمة، وبناء على الوصف العام للواقع السكاني والاجتماعي ـ السياسي، في مناطق تجوال إبراهيم وعشيرته، ففي الإمكان اعتبار حدوث هذه الهجرة في أية فترة خلال ألف عام، منذ سرجون الأكادي إلى الاحتلال الإسرائيلي لبعض أرض ـ كنعان، أي في الفترة (2300 ـ 1300 ق. م. تقريبا) . وتتبلور لدى الباحثين مؤخرا نظرية تربط هجرة العبرانيين إلى فلسطين، ونزول بعضهم إلى مصر، ومن ثمّ الخروج منها على دفعات، بحركة الهكسوس في بلاد الشام. ويقول البعض إن المسوحات الأثرية في شرق الأردن وجنوب فلسطين تؤيد ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت