فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 604

بعبادته. كما أن يده تظهر في توجيه الأحداث التاريخية جميعها، وقوته تبرز من خلال العقاب الذي ينزله بالخارجين على طاعته، أو بالثواب الذي يمنحه للسائرين في دربه. والخروج من مصر، كما احتلال أرض ـ كنعان، هما من العلامات التي كشف بها يهوى عن ذاته من خلال التاريخ. وهو بالتأكيد قادر على فعل العكس تماما، فهو عادل، كما هو صارم، لا يتهاون في نقض العهد معه. وكناطقين باسمه، تبنى الأنبياء دعوته إلى عبادة مطلقة له، لا تقبل الشرك، ولا تطيق الخروج على الطاعة والمعصية للإرادة. وبناء عليه، فإن سلام إسرائيل هو الدليل على رضى يهوى عنها، والمصائب التي تحل بها مؤشر إلى غضبه عليها. وهو أساس مفهوم هؤلاء الأنبياء لحركة التاريخ وفلسفته.

وانطلاقا من أن يد يهوى تحرّك التاريخ العالمي عامة، واليهودي خاصة، عالج كتبة التوراة، بالجمع والتصنيف والتحرير، الأحداث الواردة فيها، فجاءت رواياتهم غير تاريخية. وبينما اعتبرها البعض مجرد أساطير ولا تصلح مادة أولية للتاريخ، رأى فيها البعض نوى حقيقية للأحداث، يمكن الإفادة منها في دعم المصادر الأخرى المكتوبة والأثرية. في المقابل، ذهب البعض إلى توظيف المصادر الأخرى كبرهان، مباشر أو مداور، للواقع الذي تعكسه الروايات التوراتية. أمّا الدراسات التوراتية فقد وظفت علم الآثار التوراتي في ملاءمة الواقع مع النص الوارد في تلك الروايات. وبتباين المناهج تنوّعت أساليب كتابة تاريخ هذا العصر، وتناقضت النتائج.

وأصحاب المنهج التوراتي، ومن يجاريهم في منظوره، ينطلقون من أن إسرائيل القديمة استوعبت التاريخ على أنه حكم الله على الجنس البشري، بما يقود حتما إلى «الخلاص العالمي» ، عبر توجيه الله لما صار يعرف ب «شعب الله المختار» . ومن هنا انفردت إسرائيل القديمة بين الشعوب الأخرى المعاصرة بامتلاك «الوعي التاريخي» . وبناء عليه، فالروايات التوراتية، كسجل للأحداث في حياة هذا الشعب، وبالتالي، علاقته بيهوى، من جهة، وبالأرض التي وعده بها (أرض ـ الميعاد) ، من جهة أخرى، تصبح كتابات تاريخية حقيقية. ومثل هذا المنهج في كتابة التاريخ، وبالتالي الإصرار على اعتبار الروايات التوراتية مادة تاريخية، لا يعكس فكرا علميا، ولا أمانة فكرية مبدئية، وإنما مفهوما مغلقا لفلسفة التاريخ وحركته.

ويستخلص من الرواية التوراتية أنه بعد الخروج من مصر، والتيه في الصحراء أربعين عاما، دخل بنو إسرائيل أرض ـ كنعان، من منطقة أريحا، واحتلوها بعملية واحدة مستمرة طالت سبع سنوات. وكان ذلك بناء على خطة مسبقة، قسمت فيها الأرض بين الأسباط الاثني عشر، بقيادة موسى بداية، ثم من بعده يهوشوع. وهذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت