فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 604

الرواية تثير الشكوك في صدقيتها، ليس فقط لأنها غير واقعية، ولغياب أي دليل على مضمونها، وانعدام أية إشارة لهذا الحدث في المصادر المصرية أو العراقية، وإنما أيضا لتناقضها مع روايات أخرى في التوراة ذاتها. وعلاوة على ذلك، فرواية «سفر يهوشوع» غير متماسكة، وتحمل طابعا أسطوريا خياليا. وهناك خلط بالمواقع والأسماء، وهذا يدل على أن هذه الرواية هي نوع من الصيغة الرسمية، التي جمعت بعد فترة زمنية طويلة، ومن مصادر متعددة ومتنوعة، على يد كتبة لا يعرفون تاريخ الفترة السابقة ولا جغرافيتها السكانية. كما أن الهدف من كل هذه العملية لدى هؤلاء الكتبة كان دينيا، وليس تاريخيا بالأصل.

والفكرة المركزية في قصة الخروج من مصر، بقيادة موسى، تتمحور حول التخلص من العبودية لحكم الفرعون، وليس هدفها تحقيق «الوعد الإلهي» لإبراهيم بميراث أرض ـ كنعان، بحسب الدعوى التوراتية. والتيه في الصحراء مدة أربعين عاما، بين مصر وفلسطين، إنما هو دليل على غياب هدف محدد مسبق لهذا الخروج، وأن السبب المباشر له، والعامل الضاغط عليه، هو الإفلات من قبضة الفرعون. وبناء عليه، تكون فكرة دخول أرض ـ كنعان والاستقرار بها تبلورت في مسار التيه في الصحراء، وعبر الاحتكاك بالقبائل الأخرى المتعددة، التي كانت في مرحلة انتقالية من البداوة إلى الاستقرار بجنوب فلسطين وشرقي الأردن. ولذلك جاء الغزو الإسرائيلي لأرض ـ كنعان من الشرق، متجها نحو المنطقة الجبلية الوسطى، ومترافقا مع حركة قبائل أخرى في هذا الاتجاه.

ويستدل من المصادر المصرية، وخصوصا رسائل تل العمارنة (القرن الرابع عشر قبل الميلاد) ، أن منطقة الجبال الوسطى في فلسطين كانت قليلة السكان، لم تولها السلطة المركزية المصرية اهتماما في أيام السلالتين 18 و 19. والمصريون الذين لم يرغبوا في القيام بدور الشرطي في هذه المنطقة، وبالتالي لم يشحنوها بالحاميات العسكرية، وعوا الخطر الكامن في تركها مناطق تجمّع للقبائل المتمردة، فأولوا حفظ الأمن فيها إلى الحكام المحليين، الذين برز بينهم حاكما أورشليم وشيكم. وتركز دور هؤلاء الحكام على كبح العناصر البدوية من تهديد طرق التجارة الرئيسية، وإبقائها بعيدا عن المناطق الحيوية للأمن المصري على ساحل فلسطين وفي جنوبها.

ومنذ بداية القرن الخامس عشر قبل الميلاد، بدأت أخبار القلاقل والاضطرابات تتوارد على البلاط الفرعوني من فلسطين وسورية، ليس بسبب تمرد الحكام، كما في بداية الألف الثاني قبل الميلاد، وإنما نتيجة نشاط عناصر بدوية غير خاضعة لسلطة أحد. وفي البداية، أفادت هذه العناصر من الصراع المثلث الجوانب، بين القوى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت