فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 245

الرّدعي والجبائي. وأسند إلى القاضي القضاء المدني، والقضاء الدّيني للحدود بالقدر الذي كان مطبّقا.

إذا حدث أن تدخّل الخليفة ـ في بعض المرّات ـ لتعيين القضاة في العهد العباسي أو العهد الأموي، فإنّ ما كان شائعا هو أن تعيين هؤلاء يعود إلى الوالي (1) . وبالرّغم من ذلك، فإن منصب القاضي الذي يعتمد في نشاطه على القانون الإيجابي المهيّأ خارج الدولة، والمأخوذ عن المذاهب المشرقية، لم يكن بناء على ذلك خارجا عن تدخلات الولاة وسلطانهم. على أنّ القاضي كان منذ ذلك الوقت أكثر من موظّف عادي، وحتى وإن كان موظفا فهو ذو اعتبار. وقد جسّد بعض هؤلاء القضاة المتمتّعين بهالة أخلاقية دون منازع، المجموعة الإسلامية التي قادوها في أوقات الأزمة مثل أبي كريب الذي يمثل أحسن مثال الشجاعة وحسّ المواطنة (2) .

ما يجب أن نشدّد عليه، هو أنه مع توسّع مهامّ القاضي ونفوذه، وكلما غصنا في الزمن، وجدنا في عصر الولاة عناصر من شأنها أن تهيء لقدوم كبار قضاد الأغالبة.

بحكم اندماجها المتأخر في المجال الإمبراطوري للخلفاء، كان لا بد لإفريقية أن يتأخر زمنيا قيام مؤسساتها. فكانت التنظيمات التي طبقت في هذه الولاية متناغمة وناجعة في جملتها، إذ استجابت للتمشي العربي الشامل المحدث في الإطار المشرقي، إلّا أنّ هذه التنظيمات تفرض عليها أيضا التأقلم مع الظروف المحلية، والاعتماد ـ لوقت ما على الأقل ـ على الإرث الروماني ـ البيزنطي الذي ظلّ مع ذلك تأثيره ضعيفا في الجملة. على خلاف المريطانيتين القديمتين، أثبتت إفريقية وجودها كنواة مركزية الأكثر تجسيدا للتنظيمات العربية. وفي هذا المعنى، جاء المجهود الثابت واللّافت للنظر للغزاة الجدد فيما يتعلق بقدرتهم على

(1) المالكي، رياض، ص 72 و 111؛ أبو العرب، طبقات، ص 34 و 35.

(2) المالكي، ص 107 ـ 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت