فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 245

عمّا قريب ثانية ـ على الأقل رسميا ـ إلى أحضان الإمبراطورية. ولكن يكمن المعنى الحقيقي لمعركة سبيطلة في تصدّع الأرض المكشوفة للجيش البيزنطي الإفريقي. إلى جانب أنّها أول مواجهة مهمّة مع العرب، ستكون معركة سبيطلة أيضا الأخيرة. سيأخذ، من هنا فصاعدا الصّراع بين الإمبراطوريّتين من أجل حماية الولاية مظهرا غير مباشر، فيحوّله إلى مقاومة غير فعالة تقريبا ومتفرقة وشديدة الارتباط ـ إن لم نقل تابعة ـ للمقاومة البربرية. بعد انتصارهم، لم يتوان العرب عن القيام بعمليّات النهب، إذ كنست فصائلهم بلاد مزاق Byzacene ، وطالت حدود واحات الجريد الثريّة. وتوجّب أخيرا على القادة البيزنطيين أن يقدّموا ثمنا لخروج الغازي العربي تمثّل في غرامة حربيّة ثقيلة قدرت ب 000، 500، 2 دينار أي 300 قنطار من الذهب. وهكذا وبعد 14 شهرا من الإقامة يأخذ الجيش العربي طريقه إلى مصر.

إن حملة ابن أبي سرح، بالرغم من أنها كانت غارة نهب، فقد مثلث البذرة الأولى في مشروع الغزو الطويل. ممّا لا شك فيه، كان القصد العام للفتح قد وجد في ذهن القادة العرب، ولكن في هذا العمل الأول، وجب عليهم الاكتفاء بالحفاظ على غنيمة ضخمة جمعوها بأنفسهم. فضلا عن ذلك، بدأت الاختلافات تظهر في صلب هذا الجيش، إذ ستكشف حملة إفريقية بصيغة خاصة عن العيوب العميقة لنظام عثمان العائلي، وتسلط الضوء على المعارضة القوية ضدّ حكمه.

باختصار، إنّ حالة عدم الاستعداد للاستقرار الحقيقي للعرب، ووجود صعوبة في إجبار النظام الدفاعي البيزنطي الذي اهتزّ بقوة في بلاد مزاق ولكنه ظلّ قائما في مواضع أخرى، والتمزّقات الداخلية في الجيش العربي نفسه، كل هذا أدّى إلى إيقاف واضح لحملة إفريقية.

دام هذا التخلّي ما يقارب العشرين سنة، لأن الإسلام دخل بالفعل في مرحلة اضطرابات مثّلت فيها أزمة الخلافة العنصر الأهم.

سيسمح صعود معاوية إلى الحكم سنة 41 ه‍/ 661 م بتجميع القوى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت