فهرس الكتاب
حتى يغص الباب الكريم بهم فلا يستطيعون تقدما ولا تأخرا إلى أن يلجوا على أعظم مشقة ثم يسرعون الخروج، فيضيق الباب الكريم بهم، فينحدر الفوج منهم على المصعد وفوج آخر صاعد، فيلتقيان وقد ارتبط بعضهم إلى بعض، فربما حمل المنحدرون في صدور الصاعدين، وربما وقف الصاعدون للمنحدرين وتضاغطوا إلى أن يميلوا فيقع البعض على البعض. فيعاين النظارة منهم مرأى هائلا: فمنهم سليم، وغير سليم، وأكثرهم إنما ينحدرون وثبا على الرؤوس والأعناق. ومن أعجب ما شاهدناه في يوم الاثنين المذكور، أن صعد بعض من الشيبيين أثناء ذلك الزحام، يرومون الدخول إلى البيت الكريم فلم يقدروا على التخلص، فتعلقوا بأستار حافتي عضادتي الباب. ثم إن أحدهم تمسك بإحدى الشرائط القنبية الممسكة للأستار إلى أن علا الرؤوس والأعناق، فوطئها ودخل البيت فلم يجد موطئا لقدمه سواها، لشدة تراصهم وتراكمهم وانضمام بعضهم إلى بعض. وهذا الجمع الذي وصل منهم في هذا العام لم يعهد قط مثله فيما سلف من الأعوام، ولله القدرة المعجزة، لا إله سواه.
وفي هذا اليوم المذكور الذي هو السابع والعشرون من ذي القعدة، شمرت أستار الكعبة المقدسة نحو قامة ونصف من الجدر من الجوانب الأربعة، ويسمون ذلك إحراما لها، فيقولون: أحرمت الكعبة. وبهذا جرت العادة دائما في الوقت المذكور من الشهر. ولا تفتح من حين إحرامها إلا بعد الوقفة. فكأن ذلك التشمير إيذان بالتشمير للسفر، وإيذان بقرب وقت وداعها المنتظر، لا جعله الله آخر وداع، وقضى لنا إليها بالعودة وتيسير سبيل الاستطاعة بعزته وقدرته.
وفي يوم الجمعة الرابع والعشرين قبل هذا اليوم المذكور، كان دخولنا إلى البيت الكريم على حال اختلاس وانتهاز فرصة أوجدت بعض فرجة من الزحام، فدخلناه دخول وداع إذ لا يتمكن دخوله بعد ذلك، لترادف الناس عليه ولا سيما الأعاجم الواصلون مع الأمير العراقي، فإنهم يظهرون من التهافت عليه، والبدار إليه، والازدحام فيه، ما ينسي أحوال السرو اليمنيين، لفظاظتهم وغلظتهم. فلا يتمكن لأحد منهم النظر فضلا عن غير ذلك، والله عز وجل لا يجعله آخر العهد بيته الكريم، ويرزقنا العود إليه على خير وعافية، بمنه ولطيف صنعه.