فهرس الكتاب
وفي يوم إحرام الكعبة المذكور أقلعت من موضع المقام المقدس القبة الخشبية التي كانت عليه ووضعت عوضها قبة الحديد إعدادا للأعاجم المذكورين، لأنها لو لم تكن حديدا لأكلوها أكلا فضلا عن غير ذلك، لماهم عليه من صحة النفوس شوقا إلى هذه المشاهد المقدسة وتطارحهم بأجرامهم عليها، والله ينفعهم بنياتهم، بمنه وكرمه.
وفي يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من الشهر المذكور، جاء زعيم الشيبيين المعزول يتهادى بين بنيه زهوا وإعجابا، ومفتاح الكعبة المقدسة بيده قد أعيد إليه، ففتح الباب الكريم وصعد مع بنيه السطح المبارك الأعلى بأمراس من القنب غليظة، يوثقونها في أوتاد الحديد المضروبة في السطح ويرسلونها إلى الأرض، فيربط فيها شبيه محمل من العود ويجلس فيه أحد سدنة البيت من الشيبيين، فيصعد به على بكرة معدة لذلك في أعلى السطح المذكور، فيتولى خياطة ما مزقته الريح من الأستار. فسألنا عن كيفية صرف هذا الشيبي المعزول خطته على صحة الهنات المنسوبة إليه، فأعلمنا أنه صودر عليها بخمسمائة دينار مكية استقرضها ودفعها. فطال التعجب من ذلك والاعتبار، وتحققنا أن إظهار القبض عليه لم يكن غيرة ولا أنفة على حرمات الله المنتهكة على يديه، مع كونها في خطة دونها الخلافة رفعة، والحال تشبه بعضها بعضا، «وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض ... » (1) ، وإلى الله المشتكى من فساد ظهر حتى في أشرف بقاع الأرض، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
هنا نشأ الإسلام
وفي يوم الأربعاء التاسع والعشرين من ذي القعدة المذكور دخلنا دار الخيزران التي كان منها منشأ الإسلام. وهي بإزاء الصفا، ويلاصقها بيت صغير عن يمين الداخل إليها، كان مسكن بلال، رضي الله عنه. ويدخل إليها على حلق كبير شبيه الفندق، قد أحدقت به البيوت للكراء من الحاج. والدار المكرمة دار صغيرة يجدها الداخل إلى الحلق المذكور عن يساره، وهي مجددة البناء، أنفق في بنائها جمال الدين،
(1) الجاثية: 19.