فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 295

وأريحية كأنها المزامير الداودية. فلا تدري من أي أحوال هذا المجتمع تعجب، والله يؤتي الحكمة من يشاء، لا إله سواه، وسمعت هذا الشيخ الواعظ يسند الحديث إلى خمسة من أجداده: جدّ عن جدّ، نسقا مسلسلا من أبيه إليهم على اتصال، كلهم له لقب يدل على منزلته من العلم ومكانته من التذكير والوعظ، فهو معرق في الصنعة الشريفة، تليد المجد فيها.

وفي أيام الموسم كلها عاد المسجد الحرام، نزهه الله وشرفه، سوقا عظيمة يباع فيه من الدقيق العقيق، ومن البّر (1) إلى الدر، غير ذلك من السلع. فكان مبيع الدقيق بدار الندوة إلى جهة باب بني شيبة، ومعظم السوق في البلاط الآخذ من الغرب إلى الشمال، وفي البلاط الآخذ من الشمال إلى الشرق، وفي ذلك من النهي الشرعي ما هو معلوم، والله غالب على أمره، لا إله سواه.

المسير إلى العراق

وفي عشي يوم الأحد الموفي عشرين من الشهر المذكور وهو أول أبريل، كان مسيرنا إلى محلة الأمير العراقي بالزاهر وهو على نحو الميلين من البلد، وقد كمل اكتراؤنا إلى الموصل، وهو أمام بغداد بعشرة أيام، عرفنا الله الخير والخيرة بمنه. فأقمنا بالزاهر ثلاثة أيام نجدد العهد كل يوم بالبيت العتيق، ونعيد وداعه. فلما كان ضحوة يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي الحجة المذكور، أقلعت المحلة على تؤدة ورفق بسبب البطء والتأخر ونزلت على نحو ثمانية أميال من الموضع الذي أقلعت منه بمقربة من بطن مرة، والله كفيل بالسلامة والعصمة بمنه.

فكانت مدة مقامنا بمكة، قدسها الله، من يوم وصولنا إليها، وهو يوم الخميس الثالث عشر لربيع الآخر من سنة تسع وسبعين، إلى إقلاعنا من الزاهر، وهو يوم الخميس الثاني والعشرين لذي الحجة من السنة المذكورة، ثمانية أشهر وثلث شهر، التي هي بحسب الزائد والناقص من الأشهر مئتا يوم اثنتان وخمسة وأربعون يوما

(1) البر (بضم الباء) : القمح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت