فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 295

سعيدات مباركات، جعلها الله لذاته، وجعل القبول لها موافقا لمرضاته، بمنه، غبنا عن رؤية البيت الكريم فيها ثلاثة أيام: يوم عرفة، وثاني يوم النحر، ويوم الأربعاء الذي هو الحادي والعشرون لذي الحجة، قبل يوم الخميس، يوم إقلاعنا من الزاهر، والله لا يجعله آخر العهد بحرمه الكريم بمنه.

ثم أقلعنا من ذلك الموضع إثر صلاة الظهر من يوم الخميس، إلى بطن مر، وهو واد خصيب كثير النخل ذو عين فوارة سيالة الماء تسقى منها أرض تلك الناحية. وعلى هذا الوادي قطر متسع وقرى كثيرة وعيون، ومنه تجلب الفواكه إلى مكة، حرسها الله. فأقمنا به يوم الجمعة لسبب عجيب، وذلك أن الملكة خاتون (1) بنت الأمير مسعود، ملك الدروب والأرمن وما يلي بلاد الروم، وهي إحدى الخواتين الثلاث اللاتي وصلن للحج، مع أمير الحاج أبي المكارم طاشتكين، مولى أمير المؤمنين، والموجه كل عام من قبل الخليفة. وله بتولي هذه الخطة نحو الثمانية أعوام أو أزيد، وخاتون هذه أعظم الخواتين قدرا، بسبب سعة مملكة أبيها. والمقصود من ذكر أمرها أنها أسرت من بطن مرّ ليلة الجمعة إلى مكة في خاصة من خدمها وحشمها، فتفقد موضعها يوم الجمعة المذكور، فوجه الأمير ثقات من خاصة أصحابه يستطلعونها في الانصراف، وأقام بالناس منتظرا لها. فوصلت عتمة يوم السبت، وأجليت في سبب انصراف هذه الملكة المترفة قداح الظنون، وسلت الخواطر على استخراج سرها المكنون، فمنهم من يقول: إنها انصرفت أنفة لبعض ما انتقدته على الأمير، ومنهم من قال: إن نوازع الشوق للمجاورة عطفت بها إلى المثابة المكرمة، ولا يعلم الغيب إلا الله. وكيفما كان الأمر فقد كفى الله العطلة بسببها، وأطلق سبيل الحاج، ولله الحمد على ذلك.

وأبو هذه المرأة المذكورة الأمير مسعود، كما ذكرناه، وهو في بسطة من ملكه واتساع من إمرته، على ما حقق عندنا، أكثر من مئة ألف فارس. وصهره عليها، نور الدين صاحب آمد وما سواها؛ ويركب له أيضا نحو اثني عشر ألف فارس. ولخاتون هذه أفعال من البر كثيرة في طريق الحاج: منها سقي الماء للسبيل، عينت لذلك نحو الثلاثين ناضحة، ومثلها للزاد، واستجلبت لما تختص به من الكسوة والأزودة وغير

(1) الخاتون (كلمة تترية) : لقب نساء الملوك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت