فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 295

ولا تميّز معقولا، ولا تجد للصبر سبيلا.

ثم في أثناء مجلسه ينشد بأشعار من النسيب مبرحة التشويق، بديعة الترقيق، تشعل القلوب وجدا، ويعود موضعها النسيبي زهدا. وكان آخر ما أنشده من ذلك، وقد أخذ المجلس مأخذه من الاحترام، وأصابت المقاتل سهام ذلك الكلام:

أين فؤادي أذابه الوجد ... وأين قلبي فما صحا بعد ...

يا سعد زدني جوىّ بذكرهم ... بالله قل لي فديت يا سعد

ولم يزل يرددها والانفعال قد أثر فيه والمدامع تكاد تمنع خروج الكلام من فيه، إلى أن خاف الإفحام، فابتدر القيام، ونزل عن المنبر دهشا عجلا، وقد أطار القلوب وجلا، وترك الناس على أحر من الجمر، يشيعونه بالمدامع الحمر. فمن معلن بالانتحاب، ومن متعفر في التراب. فيا له من مشهد ما أهول مرآه، وما أسعد من رآه! نفعنا الله ببركته، وجعلنا ممن فاز به بنصيب من رحمته، بمنّه وفضله. وفي أول مجلسه أنشد قصيدا نيّر القبس، عراقي النفس، في الخليفة أوله:

في شغل من الغرام شاغل ... من هاجه البرق بسفح عاقل

يقول فيه عند ذكر الخليفة:

يا كلمات الله كوني عوذة ... من العيون للإمام الكامل

ففرغ من إنشاده وقد هز المجلس طربا، ثم أخذ في شأنه وتمادى في إيراد سحر بيانه، وما كنا نحسب أن متكلما في الدنيا يعطي من ملكة النفوس والتلاعب بها ما أعطي هذا الرجل، فسبحان من يخص بالكمال من يشاء من عباده لا إله غيره.

وشاهدنا بعد ذلك مجالس لسواه من وعاظ بغداد ممن نستغرب شأنه، بالإضافة إلى ما عهدناه من متكلمي الغرب. وكنا قد شاهدنا بمكة والمدينة، شرّفها الله، مجالس من قد ذكرناه في هذا التقييد، فصغرت، بالإضافة لمجلس هذا الرجل الفذ، في نفوسنا قدرا، ولم نستطب لها ذكرا. وأين تقعان مما أريد وشتان بين اليزيدين (1) ، وهيهات! الفتيان كثير،

(1) الإشارة إلى قول الشاعر أبي الغراف عمرو بن مرثد السلمي في رده على ربيعة الرقي، وهو يمدح يزيد بن حاتم بن قبيصة ويهجو يزيد بن أسيد السلمي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت