فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 295

والمثل بمالك (1) يسير. ونزلنا بعده بمجلس يطيب سماعه، ويروق استطلاعه.

وحضرنا له مجلسا ثالثا، يوم السبت الثالث عشر لصفر، بالموضع المذكور بإزاء داره على الشط الشرقي، فأخذت معجزاته البيانية مأخذها، فشاهدنا من أمره عجبا، صعد بوعظه أنفاس الحاضرين سحبا، وأسال من أدمعهم وابلا سكبا، ثم جعل يردد في آخر مجلسه أبياتا من النسيب شوقا زهديا وطربا، إلى أن غلبته الرقة فوثب من أعلى منبره والها مكتئبا، وغادر الكل متندما على نفسه منتحبا، لهفان ينادي: يا حسرتا وا حربا. والمنادون يدورون بنحيبهم دور الرحى، وكل منهم بعد من سكرته ما صحا، فسبحان من خلفه عبرة لأولي الألباب، وجعله لتوبة عباده أقوى الأسباب، لا إله سواه.

ثم نرجع إلى ذكر بغداد. هي كما ذكرناه جانبان: شرقي وغربي، ودجلة بينهما فأما الجانب الغربي فقد عمه الخراب واستولى عليه، وكان المعمور أولا. وعمارة الجانب الشرقي محدثة، لكنه مع استيلاء الخراب عليه يحتوي على سبع عشرة محلة، كل محلة منها مدينة مستقلة. وفي كل واحدة منها الحمامان والثلاثة والثمانية منها بجوامع يصلى فيها الجمعة. فأكبرها القريّة، وهي التي نزلنا فيها بربض منها يعرف بالمربعة، على شط دجلة بمقربة من الجسر، فحملته دجلة بمدها السيلي، فعاد الناس يعبرون بالزوارق. والزوارق فيها لا تحصى كثرة، فالناس ليلا ونهارا من تمادي العبور فيها في نزهة متصلة رجالا ونساء. والعادة أن يكون لها جسران: أحدهما مما يقرب من دور الخليفة والآخر فوقه لكثرة الناس. والعبور في الزوارق لا ينقطع منها.

ثم الكرخ، وهي مدينة مسورة. ثم محلة باب البصرة، وهي أيضا مدينة، وبها جامع المنصور وهو جامع كبير عتيق البنيان حفيله. ثم الشارع، وهي أيضا مدينة، فهذه الأربع أكبر المحلات. وبين الشارع ومحلة باب البصرة سوق المارستان، وهي مدينة صغيرة، فيها المارستان الشهير ببغداد، وهو على دجلة. وتتفقده الأطباء كل يوم اثنين وخميس، ويطالعون أحوال المرضى به، ويرتبون لهم أخذ ما يحتاجون إليه، وبين أيديهم قومة يتناولون طبخ الأدوية والأغذية، وهو قصر كبير فيه المقاصر والبيوت وجميع مرافق المساكن الملوكية، والماء يدخل إليه من دجلة.

(1) هو مالك بن نويرة الذي قتله خالد بن الوليد، وكان أخوه متمم يضرب به المثل بين الفتيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت