فهرس الكتاب
اليوم عبرة من رأي: أين معتصمها، وواثقها، ومتوكلها؟! مدينة كبيرة قد استولى الخراب عليها إلا بعض جهات منها هي اليوم معمورة. وقد أطنب المسعودي، رحمه الله، في وصفها ووصف طيب هوائها ورائق حسنها. وهي كما وصف، وإن لم يبق إلا الأثر من محاسنها. والله وارث الأرض ومن عليها، لا إله غيره. فأقمنا بهذا الموضع طول يومنا مستريحين، وبيننا وبين مدينة تكريت مرحلة، ثم رحلنا منه وأسرينا الليل كله، فصبحنا تكريت مع الفجر من يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر، وهو أول يوم من يونيه، فنزلنا ظاهرها مستريحين ذلك اليوم.
ذكر مدينة تكريت حرسها الله تعالى
هي مدينة كبيرة واسعة الأرجاء، فسيحة الساحة، حفيلة الأسواق، كثيرة المساجد، غاصة بالخلق، أهلها أحسن أخلاقا وقسطا في الموازين من أهل بغداد. ودجلة منها في جوفيها، ولها قلعة حصينة على الشط هي قصبتها المنيعة. ويطيف بالبلد سور قد أثر الوهن فيه. وهي من المدن العتيقة المذكورة. ورحلنا مع عشي اليوم المذكور وأسرينا طول الليل، وأصبحنا يوم السبت الموفي عشرين منه بشط دجلة، فنزلنا مريحين. ومن ذلك الموضع يستصحب الماء ليوم وليلة، فاستصحبناه. ورحلنا ذلك اليوم ضحوة، فأسرينا إلى الليل، ونزلنا لأخذ نفس راحة واختلاس سنة نوم، فهو منا هنيهة، ورحلنا وأسأدنا (1) إلى الصباح. وتمادى سيرنا إلى أن ارتفع النهار من يوم الأحد بعده، فنزلنا قائلين بقرية على شط دجلة تعرف بالجديدة، وبمقربة منها قرية كبيرة اجتزنا عليها تعرف بالعقر وعلى رأسها ربوة مرتفعة كانت حصنا لها، وأسفلها خان جديد بأبراج وشرف حفيل البنيان وثيقه. والقرى والعمائر من هذا الموضع إلى الموصل متصلة. ومن هنا ينتثر انتظام الحاج في المشي فينبسط كل في طريقه متقدما ومتأخرا، وبطيئا ومستعجلا، آمنا مطمئنا. فرحلنا منها قريب العصر، وتمادى سيرنا إلى المغرب، ونزلنا آخذين غفوة سنة خلال ما تتعشى الإبل. ورحلنا قبل نصف الليل وأدلجنا إلى الصباح.
(1) أسأد: سار الليل كله، والمصدر إساد ـ كما سيمر لا حقا.