فهرس الكتاب
وفي ضحوة هذا اليوم، وهو يوم الاثنين الثاني والعشرين لصفر، والرابع ليونيه، مررنا بموضع يعرف بالقيارة من دجلة، وبالجانب الشرقي منها، وعن يمين الطريق إلى الموصل، فيه وهدة من الأرض سوداء كأنها سحابة قد أنبط الله فيها عيونا كبارا وصغارا تنبع بالقار. وربما يقذف بعضها بحباب منه كأنها الغليان، ويصنع له أحواض يجتمع فيها فتراه شبه الصلصال منبسطا على الأرض أسود أملس، صقيلا ورطبا، عطر الرائحة، شديد التعلك، الصلصال منبسطا على الأرض أسود أملس، صقيلا ورطبا، عطر الرائحة، شديد التعلك، فيلصق بالأصابع لأول مباشرة من اللمس. وحول تلك العيون بركة كبيرة سوداء يعلوها شبه الطحلب الرقيق أسود تقذفه إلى جوانبها فيرسب قارا، فشاهدنا عجبا كنا نسمع به فنستغرب سماعه.
وبمقربة من هذه العيون على شط دجلة عين أخرى منه كبيرة، أبصرنا على البعد منها دخانا، فقيل لنا: إن النار تشعل فيه إذا أرادوا نقله فتنشّف النار رطوبته المائية وتعقّده، فيقطعونه قطرات ويحملونه، وهو يعم جميع البلاد إلى الشام، إلى عكة، إلى جميع البلاد البحرية، والله يخلق ما يشاء، سبحانه تعالى جدّه وجلت قدرته، لا رب غيره. ولا شك أن على هذه الصفة هي العين التي ذكر لنا أنها بين الكوفة والبصرة، وقد ذكرنا أمرها في هذا التقييد، ومن هذا الموضع إلى الموصل مرحلتان.
وأجزنا تلك العيون القارية ونزلنا قائلين، ثم رحنا وسرنا العشي، ونزلنا بقرية تعرف بالعقيبة، ومنها تصبح الموصل (1) إن شاء الله فأسرينا منها بعد نصف الليل ووصلنا الموصل عند ارتفاع النهار من يوم الثلاثاء الثالث والعشرين لصفر، والخامس من يونيه، ونزلنا بربضها في أحد الخانات بمقربة من الشط.
ذكر مدينة الموصل حرسها الله تعالى
هذه المدينة عتيقة ضخمة، حصينة فخمة، قد طالت صحبتها للزمن، فأخذت أهبة استعدادها لحوادث الفتن، قد كادت أبراجها تلتقي انتظاما لقرب مسافة بعضها
(1) الجملة غير مكتملة، لعل الصحيح: ومنها تصبح الموصل قريبة.