فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 295

من بعض. وباطن الداخل منها بيوت، بعضها على بعض، مستديرة بجداره المطيف بالبلد كله، كأنه قد تمكن فتحها فيه لغلظ بنيته وسعة وضعه. وللمقاتلة في هذه البيوت حرز وقاية، وهي من المرافق الحربية. وفي أعلى البلد قلعة عظيمة قد رص بناؤها رصا، ينتظمها سور عتيق البنية مشيد البروج، وتتصل بها دور السلطان. وقد فصل بينهما وبين البلد شارع متسع يمتد من أعلى البلد إلى أسفله. ودجلة شرقي البلد، وهي متصلة بالسور، وأبراجه في مائها.

وللبلدة ربض كبير فيه المساجد والحمامات والخانات والأسواق، وأحدث فيه بعض أمراء البلدة، وكان يعرف بمجاهد الدين، جامعا على شط دجلة، ما أرى وضع جامع أحفل منه، بناء يقصر الوصف عنه وعن تزيينه وترتيبه، وكل ذلك نقش في الآجر. وأما مقصورته فتذكر بمقاصير الجنة، ويطيف به شبابيك حديد، تتصل بها مصاطب تشرف على دجلة لا مقعد أشرف منها ولا أحسن. ووصفه يطول، وإنما وقع الإلماع بالبعض جريا إلى الاختصار، وأمامه مارستان حفيل من بناء مجاهد الدين المذكور. وبنى أيضا داخل البلد وفي سوقه قيسارية للتجار، كأنها الخان العظيم، تنغلق عليها أبواب حديد، وتطيف بها دكاكين وبيوت، بعضها على بعض، قد جلي ذلك كله في أعظم صورة من البناء المزخرف الذي لا مثيل له. فما أرى في البلاد قيسارية تعدلها.

وللمدينة جامعان: أحدهما جديد، والآخر من عهد بني أمية. وفي صحن هذا الجامع قبة، داخلها سارية رخام قائمة، قد خلخل جيدها بخمسة خلاخل مفتولة فتل السوار من جرم رخامها، وفي أعلاها خصة رخام مثمنة يخرج عليها أنبوب من الماء خروج انزعاج وشدة، فيرتفع في الهواء أزيد من القامة كأنه قضيب من البلور معتدل ثم ينعكس إلى أسفل القبة. ويجمع في هذين الجامعين القديم والحديث، ويجمع أيضا في جامع الربض. وفي المدينة مدارس للعلم نحو الست أو أزيد على دجلة، فتلوح كأنها القصور المشرفة. ولها مارستان حاشا الذي ذكرناه في الربض.

وخص الله هذه البلدة بتربة مقدسة فيها مشهد جرجيس (1) ، صلى الله عليه وسلم، وقد بني فيه مسجد، وقبره في زاوية من أحد بيوت المسجد عن يمين الداخل إليه.

(1) جرجيس: معروف بالعربية باسم الخضر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت