فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 295

فبتنا به، ثم رفعنا منه بعد تهويم ساعة وأسرينا إلى الصباح، فوصلنا مدينة حران مع طلوع الشمس من يوم الاثنين السابع لربيع المذكور، والثامن عشر ليونيه، والحمد لله على تيسيره.

ذكر مدينة حران

كلأها الله

بلد لا حسن لديه، ولا ظل يتوسط برديه، قد اشتق من اسمه هواؤه، فلا يألف البرد ماؤه، ولا تزال تتقد بلفح الهجير ساحاته وأرجاؤه، ولا تجد فيه مقيلا، ولا تتنفس منه إلا نفسا ثقيلا، قد نبذ بالعراء، ووضع في وسط الصحراء، فعدم رونق الحضارة، وتعرت أعطافه من ملابس النضارة.

أستغفر الله! كفى بهذا البلد شرفا وفضلا أنه البلدة العتيقة المنسوبة لأبينا إبراهيم، صلى الله عليه وسلم، وله بقبليها بنحو ثلاثة فراسخ مشهد مبارك فيه عين جارية كان مأوى له ولسارة، صلوات الله عليهما، ومتعبدا لهما. ببركة هذه النسبة قد جعل الله هذه البلدة مقرا للصالحين المتزهدين، ومثابة للسائحين المتبتلين. لقينا من أفرادهم الشيخ أبا البركات حيان بن عبد العزيز، حذاء مسجده المنسوب إليه. وهو يسكن منه في زاوية بناها في قبلته، وتتصل بها في آخر الجانب زاوية لابنه عمر قد التزمها وأشبه طريقة أبيه فما ظلم، وتعرفت منه شنشنة (1) أعرفها من أخزم (2) . فوصلنا إلى الشيخ وهو قد نيف على الثمانين، فصافحنا ودعا لنا وأمرنا بلقاء ابنه عمر المذكور، فملنا إليه ولقيناه، ودعا لنا، ثم ودعناهما وانصرفنا مسرورين بلقاء رجلين من رجال الآخرة.

ولقينا أيضا بمسجد عتيق الشيخ الزاهد سلمة، فلقينا رجلا من الزهاد الأفراد فدعا لنا وسألنا، وودعناه وانصرفنا. وبالبلد سلمة آخر يعرف بالمكشوف الرأس، لا

(1) الشنشنة (بكسر الشين) : العادة والخلق والطبيعة.

(2) هذا القول في العقوق لأبي أخزم الطائي:

إن بني ضرجوني بالدمشنشنة أعرفها من أخزم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت